تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
ذَاكَ لَاسْتَخْرَجُوهَا إلَّا أَنْ يَكُونُوا تَأَوَّلُوا أَنَّ إلْقَاءَهَا بِأَيْدِيهِمْ لَيْسَ بِصَيْدٍ ، وَالْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ الصَّيْدُ . فَقَدْ رُوِيَ مِنْ تَأْوِيلِهِمْ مَا هُوَ أَقْبَحُ مِنْ هَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْعَنْقَرِيُّ فِي أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ . قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ وَأَظُنُّهُ الْهُزَلِيَّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : أَتَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَيَبْكِي ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى أَخَذْتُ بِلَوْحَيْ الْمُصْحَفِ . فَقُلْتُ : مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : يُبْكِينِي هَذِهِ الْوَرَقَاتُ . قَالَ : هَلْ تَعْرِفُ أَيْلَةَ ؟ قُلْت : نَعَمْ . قَالَ : إنَّ اللَّهَ أَسْكَنَهَا حَيّاً مِنْ الْيَهُودِ فَابْتَلَاهُمْ بِحِيتَانٍ حَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ وَأَحَلَّهَا لَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ قَالَ : وَكَانَ إذَا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ خَرَجَتْ إلَيْهِمْ ، فَإِذَا ذَهَبَ السَّبْتُ غَاصَتْ فِي الْبَحْرِ حَتَّى لَا يَعْرِضَ لَهَا الطَّالِبُونَ ، وَإِنَّ الْقَوْمَ اجْتَمَعُوا فَاخْتَلَفُوا فِيهَا . فَقَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ : إنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ يَوْمَ السَّبْتِ أَنْ تَأْكُلُوهَا ، فَصِيدُوهَا يَوْمَ السَّبْتِ ، وَكُلُوهَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أَنْ تَصِيدُوهَا ، أَوْ تُؤْذُوهَا أَوْ تُنَفِّرُوهَا . فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ خَرَجَتْ إلَيْهِمْ شُرَّعاً فَتَفَرَّقَ النَّاسُ . فَقَالَتْ فِرْقَةٌ : لَا نَأْخُذُهَا وَلَا نَقْرَبُهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَأْخُذُهَا وَلَا نَأْكُلُهَا يَوْمَ السَّبْتِ ، وَكَانُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ : فِرْقَةً عَلَى إيمَانِهِمْ ، وَفِرْقَةً عَلَى شَمَائِلِهِمْ ، وَفِرْقَةً وَسْطَهُمْ . فَقَامَتْ الْفِرْقَةُ الْيُمْنَى فَجَعَلَتْ تَنْهَاهُمْ وَجَعَلَتْ تَقُولُ : اللَّهَ اللَّهَ نُحَذِّرُكُمْ بَأْسَ اللَّهِ . وَأَمَّا الْفِرْقَةُ الْيُسْرَى فَكَفَّتْ أَيْدِيَهَا ، وَأَمْسَكَتْ أَلْسِنَتَهَا ، وَأَمَّا الْفِرْقَةُ الْوُسْطَى فَوَثَبَتْ عَلَى السَّمَكِ تَأْخُذُهُ ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْقِصَّةِ فِي مَسْخِ اللَّهِ إيَّاهُمْ قِرَدَةً . فَهَذِهِ الْآثَارُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ إنَّمَا اصْطَادُوا لَهَا مُحْتَالِينَ مُسْتَحِلِّينَ بِنَوْعٍ مِنْ التَّأْوِيلِ ، فَكَانَ أَجْوَدُهُمْ تَأْوِيلاً الَّذِي احْتَالَ عَلَى وُقُوعِهَا فِي الْحِيَاضِ وَالشُّصُوصِ يَوْمَ السَّبْتِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ مِنْهُ ؛ إذْ ذَاكَ . وَبَعْدَهُ مَنْ بَاشَرَ إلْقَاءَهَا فِي الْمَاءِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا بَعْدَ السَّبْتِ . وَبَعْدَهُ مَنْ أَخْرَجَهَا مِنْ الْمَاءِ وَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى خَرَجَ يَوْمُ السَّبْتِ تَأْوِيلاً مِنْهُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْأَكْلُ . وَكَذَلِكَ صَحَّ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : { يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ } . قَالَ : حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الْحِيتَانُ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَكَانَتْ تَأْتِيهِمْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 27 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا