ذَاكَ لَاسْتَخْرَجُوهَا إلَّا أَنْ يَكُونُوا تَأَوَّلُوا أَنَّ إلْقَاءَهَا بِأَيْدِيهِمْ لَيْسَ بِصَيْدٍ ، وَالْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ الصَّيْدُ .
فَقَدْ رُوِيَ مِنْ تَأْوِيلِهِمْ مَا هُوَ أَقْبَحُ مِنْ هَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْعَنْقَرِيُّ فِي أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ .
قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ وَأَظُنُّهُ الْهُزَلِيَّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : أَتَيْت ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَيَبْكِي ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى أَخَذْتُ بِلَوْحَيْ الْمُصْحَفِ .
فَقُلْتُ : مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : يُبْكِينِي هَذِهِ الْوَرَقَاتُ .
قَالَ : هَلْ تَعْرِفُ أَيْلَةَ ؟ قُلْت : نَعَمْ .
قَالَ : إنَّ اللَّهَ أَسْكَنَهَا حَيّاً مِنْ الْيَهُودِ فَابْتَلَاهُمْ بِحِيتَانٍ حَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ وَأَحَلَّهَا لَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ قَالَ : وَكَانَ إذَا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ خَرَجَتْ إلَيْهِمْ ، فَإِذَا ذَهَبَ السَّبْتُ غَاصَتْ فِي الْبَحْرِ حَتَّى لَا يَعْرِضَ لَهَا الطَّالِبُونَ ، وَإِنَّ الْقَوْمَ اجْتَمَعُوا فَاخْتَلَفُوا فِيهَا .
فَقَالَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ : إنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ يَوْمَ السَّبْتِ أَنْ تَأْكُلُوهَا ، فَصِيدُوهَا يَوْمَ السَّبْتِ ، وَكُلُوهَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أَنْ تَصِيدُوهَا ، أَوْ تُؤْذُوهَا أَوْ تُنَفِّرُوهَا .
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ خَرَجَتْ إلَيْهِمْ شُرَّعاً فَتَفَرَّقَ النَّاسُ .
فَقَالَتْ فِرْقَةٌ : لَا نَأْخُذُهَا وَلَا نَقْرَبُهَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَأْخُذُهَا وَلَا نَأْكُلُهَا يَوْمَ السَّبْتِ ، وَكَانُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ : فِرْقَةً عَلَى إيمَانِهِمْ ، وَفِرْقَةً عَلَى شَمَائِلِهِمْ ، وَفِرْقَةً وَسْطَهُمْ .
فَقَامَتْ الْفِرْقَةُ الْيُمْنَى فَجَعَلَتْ تَنْهَاهُمْ وَجَعَلَتْ تَقُولُ : اللَّهَ اللَّهَ نُحَذِّرُكُمْ بَأْسَ اللَّهِ .
وَأَمَّا الْفِرْقَةُ الْيُسْرَى فَكَفَّتْ أَيْدِيَهَا ، وَأَمْسَكَتْ أَلْسِنَتَهَا ، وَأَمَّا الْفِرْقَةُ الْوُسْطَى فَوَثَبَتْ عَلَى السَّمَكِ تَأْخُذُهُ ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْقِصَّةِ فِي مَسْخِ اللَّهِ إيَّاهُمْ قِرَدَةً .
فَهَذِهِ الْآثَارُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ إنَّمَا اصْطَادُوا لَهَا مُحْتَالِينَ مُسْتَحِلِّينَ بِنَوْعٍ مِنْ التَّأْوِيلِ ، فَكَانَ أَجْوَدُهُمْ تَأْوِيلاً الَّذِي احْتَالَ عَلَى وُقُوعِهَا فِي الْحِيَاضِ وَالشُّصُوصِ يَوْمَ السَّبْتِ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ مِنْهُ ؛ إذْ ذَاكَ .
وَبَعْدَهُ مَنْ بَاشَرَ إلْقَاءَهَا فِي الْمَاءِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا بَعْدَ السَّبْتِ .
وَبَعْدَهُ مَنْ أَخْرَجَهَا مِنْ الْمَاءِ وَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى خَرَجَ يَوْمُ السَّبْتِ تَأْوِيلاً مِنْهُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الْأَكْلُ .
وَكَذَلِكَ صَحَّ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : { يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ } .
قَالَ : حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الْحِيتَانُ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَكَانَتْ تَأْتِيهِمْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 27
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٧