يَوْمَ السَّبْتِ شُرَّعاً بَلَاءً اُبْتُلُوا بِهِ ، وَلَا تَأْتِيهِمْ فِي غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَطْلُبُوهَا بَلَاءً أَيْضاً بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَأَخَذُوهَا يَوْمَ السَّبْتِ اسْتِحْلَالاً وَمَعْصِيَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
فَقَالَ اللَّهُ : { كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } إلَّا طَائِفَةً مِنْهُمْ لَمْ يَعْتَدُوا وَنَهَوْهُمْ .
فَبَيَّنَ أَنَّهُمْ اسْتَحَلُّوهَا وَعَصَوْا اللَّهَ بِذَلِكَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَحِلُّوهَا تَكْذِيباً لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكُفْراً بِالتَّوْرَاةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحْلَالُ تَأْوِيلٍ وَاحْتِيَالٍ ظَاهِرُهُ ظَاهِرُ الِاتِّقَاءِ ، وَحَقِيقَتُهُ حَقِيقَةُ الِاعْتِدَاءِ .
وَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مُسِخُوا قِرَدَةً ، لِأَنَّ صُورَةَ الْقِرْدِ فِيهَا شَبَهٌ مِنْ صُورَةِ الْإِنْسَانِ .
وَفِي بَعْضِ مَا يُذْكَرُ مِنْ أَوْصَافِهِ شَبَهٌ مِنْهُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لَهُ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ ، فَلَمَّا مَسَخَ أُولَئِكَ الْمُعْتَدُونَ دِينَ اللَّهِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَمَسَّكُوا إلَّا بِمَا يُشْبِهُ الدِّينَ فِي بَعْضِ ظَاهِرِهِ دُونَ حَقِيقَتِهِ مَسَخَهُمْ اللَّهُ قِرَدَةً يُشْبِهُونَهُمْ فِي بَعْضِ ظَاهِرِهِمْ دُونَ الْحَقِيقَةِ جَزَاءً وِفَاقاً .
يُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ أَكَلُوا الرِّبَا وَأَكَلُوا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ كَمَا قَصَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ أَكْلِ الصَّيْدِ الْمُحَرَّمِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ ذَاكَ حَرَامٌ فِي شَرِيعَتِنَا أَيْضاً ، وَالصَّيْدَ فِي السَّبْتِ لَيْسَ حَرَاماً عَلَيْنَا ، ثُمَّ إنَّ أَكَلَةَ الرِّبَا وَأَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ لَمْ يُعَاقَبُوا بِالْمَسْخِ ، كَمَا عُوقِبَ بِهِ مُسْتَحِلُّوا الْحَرَامِ بِالْحِيلَةِ ، وَإِنَّمَا عُوقِبُوا بِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ جِنْسِ عُقُوبَاتِ غَيْرِهِمْ فَيُشْبِهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ لَمَّا كَانُوا أَعْظَمَ جُرْماً ، فَإِنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَافِقِينَ وَهُمْ لَا يَعْتَرِفُونَ بِالذَّنْبِ .
بَلْ قَدْ فَسَدَتْ عَقِيدَتُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ - كَمَا قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ : لَوْ أَتَوْا الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ كَانَ أَهْوَنَ عَلَيَّ - كَانَتْ عُقُوبَتُهُمْ أَغْلَظَ مِنْ عُقُوبَةِ غَيْرِهِمْ ، فَإِنَّ مَنْ أَكَلَ الرِّبَا وَالصَّيْدَ الْمُحَرَّمَ عَالِماً بِأَنَّهُ حَرَامٌ ، فَقَدْ اقْتَرَنَ بِمَعْصِيَتِهِ اعْتِرَافُهُ بِالتَّحْرِيمِ وَهُوَ إيمَانٌ بِاَللَّهِ وَآيَاتِهِ .
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَرَجَاءِ مَغْفِرَتِهِ ، وَإِمْكَانِ التَّوْبَةِ مَا قَدْ يُفْضِي بِهِ إلَى خَيْرٍ ، وَمَنْ أَكَلَهُ مُسْتَحِلّاً بِنَوْعِ احْتِيَالٍ تَأَوَّلَ فِيهِ فَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى الْحَرَامِ ، وَقَدْ اقْتَرَنَ بِهِ اعْتِقَادُهُ الْفَاسِدُ فِي حِلِّ الْحَرَامِ .
وَذَلِكَ قَدْ يُفْضِي بِهِ إلَى شَرٍّ طَوِيلٍ ، وَلِهَذَا حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : { لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ } .
ثُمَّ رَأَيْتُ هَذَا الْمَعْنَى قَدْ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 28
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٨