كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ .
هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ .
مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ .
عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ } .
فَعُلِمَ أَنَّهَا عِبْرَةٌ لِمَنْ مَنَعَ الْخَيْرَ ، وَلِأَنَّ اللَّهَ قَصَّ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ، وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَإِنَّهُمْ انْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ، فَعُلِمَ أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الْعُقُوبَةِ ، فَعُلِمَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ مَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ مَعَ الْمُؤَثِّرِ غَيْرُ جَائِزٍ ، كَمَا لَوْ ذَكَرَ مَعَ هَذَا أَنَّهُمْ أَكَلُوا ، أَوْ شَرِبُوا .
فَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ عُوقِبُوا عَلَى قَصْدِ مَنْعِ الْخَيْرِ الْمُسْتَحَبِّ فَكَيْفَ بِمَنْ قَصَدَ مَنْعَ الْوَاجِبِ ، إنْ كَانُوا إنَّمَا قَصَدُوا مَنْعَ وَاجِبٍ وَهُوَ الصَّوَابُ ، كَمَا قَرَّرْنَاهُ ، فَهُمْ لَمْ يَمْنَعُوهُ بَعْدَ وُجُوبِهِ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ وَجَبَ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ صَرْمِهِ بِاللَّيْلِ وَصَرْمِهِ بِالنَّهَارِ ، وَإِنَّمَا قَصَدُوا بِالصَّرْمِ لَيْلاً الْفِرَارَ مِمَّا كَانَ لِلْمَسَاكِينِ فِيهِ مِنْ اللَّقَاطِ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ مِنْ أَنَّ حَقَّ الْمَسَاكِينِ كَانَ فِيمَا يَتَسَاقَطُ ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْئاً مُوَقَّتاً ، وَوُجُوبُ هَذَا مَشْرُوطٌ بِسُقُوطِهِ وَحُضُورِ مَنْ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَسَاكِينِ ، كَأَنَّ السَّاقِطَ عَفْوُ الْمَالِ وَفَضْلُهُ ، وَحُضُورُ أَهْلِ الْحَاجَةِ بِمَنْزِلَةِ السُّؤَالِ ، وَالْفَاقَةِ ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْحَالِ يَجِبُ فِيهَا مَا لَا يَجِبُ فِي غَيْرِهَا ، كَمَا يَجِبُ قِرَى الضَّيْفِ ، وَإِطْعَامُ الْمُضْطَرِّ ، وَنَفَقَةُ الْأَقَارِبِ ، وَحَمْلُ الْعَقْلِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ .
فَيَكُونُ هَذَا فِرَاراً مِنْ حَقٍّ قَدْ انْعَقَدَ بِسَبَبِ وُجُوبِهِ قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهِ ، فَهُوَ مِثْلُ الْفِرَارِ مِنْ الزَّكَاةِ قَبْلَ حُلُولِ الْحَوْلِ بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ .
وَالْفِرَارِ مِنْ الشُّفْعَةِ بَعْدَ إرَادَةِ الْبَيْعِ قَبْلَ تَمَامِهِ ، وَالْفِرَارِ مِنْ قِرَى الضَّيْفِ قَبْلَ حُضُورِهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَلَوْلَا أَنَّ قَصْدَنَا هُنَا الْإِشَارَةُ فَقَطْ لَبَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ .
* * *
الْوَجْهُ الرَّابِعُ
أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 24
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٤