تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَا تُغْنِي عَنْ أَصْحَابِهَا مِنْ اللَّهِ شَيْئاً بَعْدَ أَنْ بَلَّغَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيَّنَ تَحْرِيمَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بَيَاناً قَاطِعاً لِلْعُذْرِ هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَوَاضِعِهِ . ثُمَّ رَأَيْت هَذَا الْمَعْنَى قَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضاً وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا يُعْزَفُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ } . هَذَا لَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ : وَإِسْنَادُهُمَا وَاحِدٌ ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ ذِكْرُهُ فِي غَيْرِهِ . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِمَّا نَقَلَهُ الْعُلَمَاءُ ، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ كَوْنِ الْمُعْتَدِينَ فِي السَّبْتِ اعْتَدَوْا بِالِاحْتِيَالِ الَّذِي تَأَوَّلُوهُ وَلَا أَعْلَمُ شَيْئاً يُعَارِضُهُ ، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا قَدْ يُنْقَلُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ اصْطَادُوا يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا نُقِلَ مِنْ أَنَّهُمْ اصْطَادُوا مُتَأَوِّلِينَ بِنَوْعٍ مِنْ الْحِيلَةِ وَهَذَا النَّقْلُ الْمُفَسَّرُ يُبَيِّنُ ذَلِكَ النَّقْلَ الْمُجْمَلَ ، وَأَيْضاً فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ فَعَلَتْهُ طَائِفَةٌ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْمَنْقُولَاتِ . إذَا عُرِفَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } . قَالُوا : مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَفْعَلُونَ مِثْلَ فِعَالِهِمْ ، وَقَالُوا : نَكَالاً عُقُوبَةً لِمَا قَبْلَهَا وَعِبْرَةً لِمَا بَعْدَهَا ، كَمَا قَالَ فِي السَّارِقِ : { نَكَالاً مِنْ اللَّهِ } . وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالنَّكَالِ الْعِبْرَةَ ، لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ : { جَزَاءً بِمَا كَسَبَا } . فَإِذَا كَانَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ نَكَّلَ بِعُقُوبَةِ هَؤُلَاءِ سَائِرَ مَنْ بَعْدَهُمْ وَوَعَظَ بِهَا الْمُتَّقِينَ ، فَحَقِيقٌ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْذَرَ اسْتِحْلَالَ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَشَدِّ أَسْبَابِ الْعُقُوبَةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْخَطَايَا وَالْمَعَاصِي ، ثُمَّ مِمَّا يَقْضِي مِنْهُ الْعَجَبُ أَنَّ هَذِهِ الْحِيلَةَ الَّتِي احْتَالَهَا أَصْحَابُ السَّبْتِ فِي الصَّيْدِ قَدْ اسْتَحَلَّهَا طَوَائِفُ مِنْ الْمُفْتِينَ حَتَّى تَعَدَّى ذَلِكَ إلَى بَعْضِ الْحِيلَةِ ، فَقَالُوا : إنَّ الرَّجُلَ إذَا نَصَبَ شَبَكَةً ، أَوْ شِصّاً قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ لِيَقَعَ فِيهِ الصَّيْدُ بَعْدَ إحْرَامِهِ ، ثُمَّ أَخَذَهُ بَعْدَ حِلِّهِ لَمْ يَحْرُمْ ذَلِكَ ،