يَوْمُ السَّبْتِ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ } .
وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى الْيَهُودِ أَنْ تَعْمَلَ شَيْئاً يَوْمَ السَّبْتِ ، فَاشْتَهَى بَعْضُهُمْ السَّمَكَ ، فَجَعَلَ يَحْتَفِرُ الْحَفِيرَةَ ، وَيَجْعَلُ لَهَا نَهْراً إلَى الْبَحْرِ إذَا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ أَقْبَلَ الْمَوْجُ بِالْحِيتَانِ يَضْرِبُهَا حَتَّى يُلْقِيَهَا فِي الْحَفِيرَةِ ، فَيُرِيدُ الْحُوتُ أَنْ يَخْرُجَ فَلَا يُطِيقُ مِنْ أَجْلِ قِلَّةِ مَاءِ النَّهْرِ ، فَيَمْكُثُ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ جَاءَ فَأَخَذَهُ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَشْوِي السَّمَكَ فَيَجِدُ جَارُهُ رِيحَهُ ، فَيُخْبِرُهُ فَيَصْنَعُ مِثْلَ مَا صَنَعَ جَارُهُ .
وَقِيلَ : كَانُوا يَنْصِبُونَ الْحَبَائِلَ وَالشُّصُوصَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَيُخْرِجُونَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ .
وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فَفَعَلُوا ذَلِكَ زَمَاناً فَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ وَلَمْ يُنْزِلْ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَتَجَرَّؤُوا عَلَى الذَّنْبِ ، وَقَالُوا : مَا نَرَى السَّبْتَ إلَّا أُحِلَّ لَنَا ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ صَارَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ : صِنْفاً أَمْسَكَ وَنَهَى ، وَصِنْفاً أَمْسَكَ وَلَمْ يَنْهَ ، وَصِنْفاً انْتَهَكَ الْحُرْمَةَ ، وَتَمَامُ الْقِصَّةِ مَشْهُورٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوٌ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ ذَكَرَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ الْحَسَنِ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ } .
قَالَ : رَمَوْهَا فِي السَّبْتِ ، ثُمَّ أَرْجَأُوهَا فِي الْمَاءِ فَاسْتَخْرَجُوهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَطَبَخُوهَا فَأَكَلُوهَا فَأَكَلُوا - وَاَللَّهِ - أَوْخَمَ أَكْلَةٍ أُكِلَتْ أَسْرَعَتْ فِي الدُّنْيَا عُقُوبَةً وَأَسْرَعَتْ عَذَاباً فِي الْآخِرَةِ ، وَاَللَّهِ مَا كَانَتْ لُحُومُ تِلْكَ الْحِيتَانِ بِأَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ دِمَاءِ قَوْمٍ مُسْلِمِينَ إلَّا أَنَّهُ عَجَّلَ لِهَؤُلَاءِ وَأَخَّرَ لِهَؤُلَاءِ .
فَقَوْلُ الْحَسَنِ : رَمَوْهَا فِي السَّبْتِ ، يَعْنِي : احْتَالُوا عَلَى وُقُوعِهَا فِي الْمَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ ، كَمَا بَيَّنَ غَيْرُهُ أَنَّهُمْ حَفَرُوا لَهَا حِيَاضاً ، ثُمَّ فَتَحُوهَا عَشِيَّةَ الْجُمُعَةِ ، أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمْ رَمَوْا الْحَبَائِلَ يَوْمَ السَّبْتِ ، ثُمَّ أَخَّرُوهَا فِي الْمَاءِ إلَى يَوْمِ الْأَحَدِ ، فَاسْتَخْرَجُوهَا بِالْحِيتَانِ يَوْمَ الْأَحَدِ ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُمْ بَاشَرُوا إلْقَاءَهَا يَوْمَ السَّبْتِ ، فَإِنَّهُمْ لَوْ اجْتَرَأُوا عَلَى
الفتاوى الكبرى — صفحة 26
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٦