تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
قَالَ : { يُحْشَرُ أَكَلَةُ الرِّبَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُورَةِ الْخَنَازِيرِ وَالْكِلَابِ مِنْ أَجْلِ حِيلَتِهِمْ عَلَى الرِّبَا كَمَا مُسِخَ أَصْحَابُ دَاوُد لِاحْتِيَالِهِمْ عَلَى أَخْذِ الْحِيتَانِ يَوْمَ السَّبْتِ } . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعْنَى الْمَسْخِ لِأَجْلِ الِاسْتِحْلَالِ بِالِاحْتِيَالِ . قَدْ جَاءَ فِي أَحَادِيثَ مَعْرُوفَةٍ لَمْ نَذْكُرْ هَذَا الْحَدِيثَ . وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقاً مَجْزُوماً بِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيِّ . قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ ، أَوْ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ - وَاَللَّهِ مَا كَذَبَنِي - سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إلَى جَنْبِ عَلَمٍ تَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَةٌ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ رَجُلٌ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ ارْجِعْ إلَيْنَا غَداً ، فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } . وَرَوَاهُ الْبَرْقَانِيُّ مُسْنَداً ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُخْتَصَراً ، وَلَفْظُهُ : { لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ } - وَذَكَرَ كَلَاماً - قَالَ : { يَمْسَخُ مِنْهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } . إنَّمَا ذَاكَ إذَا اسْتَحَلُّوا هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الْفَاسِدَةِ . فَإِنَّهُمْ لَوْ اسْتَحَلُّوهَا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الرَّسُولَ حَرَّمَهَا كَانُوا كُفَّاراً ، وَلَمْ يَكُونُوا مِنْ أُمَّتِهِ وَلَوْ كَانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأَنَّهَا حَرَامٌ لَأَوْشَكَ أَنْ لَا يُعَاقَبُوا بِالْمَسْخِ كَسَائِرِ الَّذِينَ لَمْ يَزَالُوا يَفْعَلُونَ هَذِهِ الْمَعَاصِيَ ، وَلِمَا قِيلَ فِيهِمْ : يَسْتَحِلُّونَ فَإِنَّ الْمُسْتَحِلَّ لِلشَّيْءِ هُوَ الَّذِي يَأْخُذُهُ مُعْتَقِداً حِلَّهُ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْلَالُهُمْ الْخَمْرَ يَعْنِي بِهِ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا . كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ ، فَيَشْرَبُونَ الْأَنْبِذَةَ الْمُحَرَّمَةَ وَلَا يُسَمُّونَهَا خَمْراً ، وَاسْتِحْلَالُهُمْ الْمَعَازِفَ بِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ آلَاتِ اللَّهْوِ مُجَرَّدُ سَمْعِ صَوْتٍ فِيهِ لَذَّةٌ وَهَذَا لَا يَحْرُمُ كَأَلْحَانِ الطُّيُورِ ، وَاسْتِحْلَالُ الْحَرِيرِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِهِ بِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُ حَلَالٌ لِلْمُقَاتِلَةِ ، وَقَدْ سَمِعُوا أَنَّهُ يُبَاحُ لُبْسُهُ عِنْدَ الْقِتَالِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، فَقَاسُوا سَائِرَ أَحْوَالِهِمْ عَلَى تِلْكَ ، وَهَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ الثَّلَاثَةُ وَاقِعَةٌ فِي الطَّوَائِفِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا ابْنُ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى :
وَهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إلَّا الْمُلُوكُ * وَأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُهَا