الَّتِي جُعِلَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُحَصِّلَةً لَهَا ، بَلْ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَجِعَ الْمَرْأَةَ لِيَضُرَّهَا ، وَلَا حَاجَةَ لَهُ فِي نِكَاحِهَا ، أَوْ يَنْكِحَهَا لِيُحَلِّلَهَا ، أَوْ يَخْلَعَهَا لِيَلْبَسَهَا ، فَهُوَ مُسْتَهْزِئٌ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ .
وَسَيَأْتِي - إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي الْأَدِلَّةِ الْخَاصَّةِ ، فَإِذَا كَانَ الِاسْتِهْزَاءُ بِهَا حَرَاماً وَجَبَ إبْطَالُهُ ، وَإِبْطَالُ التَّصَرُّفَاتِ عَدَمُ تَرَتُّبِ أَثَرِهَا عَلَيْهَا .
فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَهْزِئُ بِهَا غَرَضُهُ إنَّمَا يَتِمُّ لِصِحَّتِهَا وَجَبَ إبْطَالُ هَذِهِ الصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِبُطْلَانِ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَهْزِئُ غَرَضُهُ اللَّعِبُ بِهَا دُونَ لُزُومِ حُكْمِهَا وَجَبَ إبْطَالُ لَعِبِهِ بِإِلْزَامِهِ أَحْكَامَهُ كَمَا سَيَأْتِي - إنْ شَاءَ اللَّهُ - إيضَاحُهُ .
* * *
الْوَجْهُ الثَّالِثُ
أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِينَ بَلَاهُمْ بِمَا بَلَاهُمْ بِهِ فِي سُورَةِ ( نُونٍ ) وَهُمْ قَوْمٌ كَانَ لِلْمَسَاكِينِ حَقٌّ فِي أَمْوَالِهِمْ إذَا جَذُّوا نَهَاراً بِأَنْ يَلْتَقِطَ الْمَسَاكِينُ مَا يَتَسَاقَطُ مِنْ الثَّمَرِ ، فَأَرَادُوا أَنْ يَجُذُّوا لَيْلاً لِيَسْقُطَ ذَلِكَ الْحَقُّ ، وَلِئَلَّا يَأْتِيَهُمْ مِسْكِينٌ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى جَنَّتِهِمْ طَائِفاً وَهُمْ نَائِمُونَ ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ عُقُوبَةً عَلَى احْتِيَالِهِمْ لِمَنْعِ الْحَقِّ الَّذِي كَانَ لِلْمَسَاكِينِ فِي أَمْوَالِهِمْ ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لِكُلِّ مَنْ احْتَالَ لِمَنْعِ حَقٍّ لِلَّهِ ، أَوْ لِعِبَادِهِ مِنْ زَكَاةٍ ، أَوْ شُفْعَةٍ ، وَقَصْدُ هَؤُلَاءِ مَعْرُوفٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ ، عَلَى أَنَّ فِي التَّنْزِيلِ مَا يَكْفِي فِي الدَّلَالَةِ .
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَوْ لَمْ يَكُونُوا أَرَادُوا مَنْعَ وَاجِبٍ لَمْ يُعَاقَبُوا بِمَنْعِ التَّطَوُّعِ ، فَإِنَّ الذَّمَّ وَالْعُقُوبَةَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ ، أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ ، وَهَذِهِ خَاصَّةُ الْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُسْتَحَبِّ وَالْمَكْرُوهِ .
ثُمَّ إنْ كَانُوا عُوقِبُوا عَلَى الِاحْتِيَالِ عَلَى تَرْكِ الْمُسْتَحَبِّ ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْعُقُوبَةِ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعُقُوبَةُ عَلَى تَرْكِ الِاسْتِثْنَاءِ وَحْدَهُ ، فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يُعَاقَبُ صَاحِبُهُ بِمَنْعِ الْفِعْلِ ، بِأَنْ يُبْتَلَى بِمَا يَشْغَلُهُ عَنْهُ أَمَّا عُقُوبَتُهُ بِإِهْلَاكِ الْمَالِ فَلَا ، وَلِأَنَّ اللَّهَ قَالَ : { إنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ } .
بَعْدَ أَنْ قَالَ : { وَلَا تُطِعْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 23
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٣