تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
هُوَ حَقِيقَةُ الْحِيَلِ . وَدَلِيلُ مَسْأَلَةِ هَذَا مُطَابَقَةُ هَذَا الْمَعْنَى بِمَوَارِدِ الِاسْتِعْمَالِ وَشَهَادَةِ الِاشْتِقَاقِ وَالتَّصْرِيفِ لَهُ . الثَّالِثُ : أَنَّ الْمُنَافِقَ لَمَّا أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ ، وَمُرَادُهُ غَيْرُ الْإِسْلَامِ سُمِّيَ مُخَادِعاً لِلَّهِ ، وَكَذَلِكَ الْمُرَائِي ، فَإِنَّ النِّفَاقَ وَالرِّيَاءَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الَّذِي أَظْهَرَ قَوْلاً غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِمَا يُفْهَمُ مِنْهُ . وَهَذَا الَّذِي أَظْهَرَ فِعْلاً غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِمَا شُرِعَ لَهُ مُخَادِعاً ، فَالْمُحْتَالُ لَا يَخْرُجُ عَنْ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ : إمَّا إظْهَارُ فِعْلٍ لِغَيْرِ مَقْصُودِهِ الَّذِي شُرِعَ لَهُ ، أَوْ إظْهَارُ قَوْلٍ لِغَيْرِ مَقْصُودِهِ الَّذِي شُرِعَ لَهُ . وَإِذَا كَانَ مُشَارِكاً لَهُمَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ سُمِّيَا مُخَادِعَيْنِ ، وَجَبَ أَنْ يَشْرَكَهُمَا فِي اسْمِ الْخِدَاعِ ، وَعُلِمَ أَنَّ الْخِدَاعَ اسْمٌ لِعُمُومِ الْحِيَلِ ، لَا لِحُصُولِ هَذَا النِّفَاقِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . * * * الْوَجْهُ الثَّانِي قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ ، لَمَّا قَالَ الْمُنَافِقُونَ : { إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ . اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } . وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { أَبِاَللَّهِ وَآيَتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ } الْآيَةَ ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً } . بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الطَّلَاقَ وَالرَّجْعَةَ وَالْخُلْعَ وَالنِّكَاحَ الْمُحَلَّلَ وَالنِّكَاحَ بَعْدَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاضِعِ ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِدِينِ اللَّهِ مِنْ الْكَبَائِرِ - وَالِاسْتِهْزَاءُ هُوَ السُّخْرِيَةُ وَهُوَ حَمْلُ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ عَلَى الْهَزْلِ وَاللَّعِبِ لَا عَلَى الْجِدِّ وَالْحَقِيقَةِ - فَاَلَّذِي يَسْخَرُ بِالنَّاسِ هُوَ الَّذِي يَذُمُّ صِفَاتِهِمْ وَأَفْعَالَهُمْ ذَمّاً يُخْرِجُهَا عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ كَمَا سَخِرُوا بِالْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ ، وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا جُهْدَهُمْ بِأَنْ قَالُوا هَذَا مُرَاءٍ ، وَلَقَدْ كَانَ اللَّهُ غَنِيّاً مِنْ صَاعِ فُلَانٍ ، فَمَنْ تَكَلَّمَ بِالْأَقْوَالِ الَّتِي جَعَلَ الشَّارِعُ لَهَا حَقَائِقَ وَمَقَاصِدَ مِثْلِ كَلِمَةِ الْإِيمَانِ ، وَكَلِمَةِ اللَّهِ الَّتِي تُسْتَحَلُّ بِهَا الْفُرُوجُ ، وَالْعُهُودُ ، وَالْمَوَاثِيقُ الَّتِي بَيْنَ الْمُتَعَاقِدِينَ . وَهُوَ لَا يُرِيدُ بِهَا حَقَائِقَهَا الْمُقَوَّمَةَ لَهَا ، وَلَا مَقَاصِدَهَا