الْمُعَاهِدُونَ إذَا أَظْهَرُوا لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ سِلْمَهُ وَمَقْصُودُهُمْ بِذَلِكَ الْمَكْرُ بِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِأَنْ يُظْهِرُوا لَهُ أَمَاناً ، وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَمَانٍ فَقَدْ أَبْطَنُوا خِلَافَ مَقْصُودِ الْمُعَاهَدَةِ .
كَمَا يُظْهِرُ الْمُحَلِّلُ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمَرْأَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يُرِيدُ نِكَاحَهَا وَأَنَّهُ رَاغِبٌ فِي ذَلِكَ وَمَقْصُودُهُ طَلَاقُهَا بَعْدَ اسْتِفْرَاشِهَا لَا مَا هُوَ مَقْصُودُ النِّكَاحِ .
وَلِهَذَا جَاءَتْ السُّنَّةُ بِأَنَّ كُلَّ مَا فَهِمَ الْكَافِرُ أَنَّهُ أَمَانٌ كَانَ أَمَاناً لِئَلَّا يَكُونَ مَخْدُوعاً ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدَ خَدْعَهُ ، وَرَوَى سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ : { كَانَ مُعَاوِيَةُ يَسِيرُ بِأَرْضِ الرُّومِ ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَمَدٌ فَأَرَادَ أَنْ يَدْنُوَ مِنْهُمْ فَإِذَا انْقَضَى الْأَمَدُ غَزَاهُمْ فَإِذَا شَيْخٌ عَلَى دَابَّةٍ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عُقْدَةً وَلَا يَشُدَّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُهَا أَوْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ عَلَى سَوَاءٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَرَجَعَ ، وَإِذَا الشَّيْخُ : عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ } .
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنَّمَا نَهَى عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَكُونَ فِيهِ خَدِيعَةٌ بِالْمُعَاهَدِينَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِمَا اقْتَضَاهُ لَفْظُ الْعَهْدِ فَعُلِمَ أَنَّ مُخَالَفَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَقْدُ لَفْظاً ، أَوْ عُرْفاً خَدِيعَةٌ وَأَنَّهُ حَرَامٌ .
وَتَلْخِيصُ هَذَا الْوَجْهِ : أَنَّ مُخَادَعَةَ اللَّهِ حَرَامٌ ، وَالْحِيَلُ مُخَادَعَةٌ لِلَّهِ .
بَيَانُ الْأَوَّلِ : أَنَّ اللَّهَ ذَمَّ الْمُنَافِقِينَ بِقَوْلِهِ : { إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } وَبِقَوْلِهِ : { يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا } وَلَوْلَا أَنَّ الْمُخَادَعَةَ حَرَامٌ لَمْ يَكُنْ الْمُنَافِقُ مَذْمُوماً بِهَذَا الْوَصْفِ وَأَيْضاً أَخْبَرَ أَنَّهُ خَادِعُهُمْ ، وَخَدْعُ اللَّهِ الْعَبْدَ عُقُوبَةٌ لَهُ ، وَالْعُقُوبَةُ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ ، أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ .
وَبَيَانُ الثَّانِي مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَفْتَوْا أَنَّ التَّحْلِيلَ وَنَحْوَهُ مِنْ الْحِيَلِ مُخَادَعَةٌ لِلَّهِ ، وَالرُّجُوعُ إلَيْهِمْ فِي مَعَانِي الْأَلْفَاظِ مُتَعَيَّنٌ ، سَوَاءٌ كَانَتْ لُغَوِيَّةً ، أَوْ شَرْعِيَّةً .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُخَادَعَةَ إظْهَارُ شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ ، وَإِبْطَانُ خِلَافِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، هَذَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 21
مساهمون: ابن تيمية
ص٢١