حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ بِسَاطاً ، قَالُوا : يَجْعَلُ بِسَاطَيْنِ ، وَقَالُوا : حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الدَّارَ ، قَالُوا : يُحْمَلُ ، فَجَعَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَتَعَجَّبُ .
فَبَيَّنَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ مَنْ اتَّبَعَ مَا شُرِعَ لَهُ وَجَاءَ عَنْ السَّلَفِ فِي مَعَانِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَّقَ بِهَا الْأَحْكَامَ لَيْسَ بِمُحْتَالٍ الْحِيلَةَ الْمَذْمُومَةَ ، وَإِنْ سُمِّيَتْ حِيلَةً ، فَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهَا .
وَغَرَضُهُ بِهَذَا الْفَرْقِ بَيْنَ سُلُوكِ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعَةِ الَّتِي شُرِعَتْ لِحُصُولِ ذَلِكَ الْمَقْصُودِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا ، كَمَا سَيَأْتِي - إنْ شَاءَ اللَّهُ - بَيَانُهُ ، وَسَيَأْتِي تَشْدِيدُهُ فِي سَائِرِ أَنْوَاعِ الْحِيَلِ ، وَاحْتِجَاجُهُ عَلَى رَدِّهَا فِي أَثْنَاءِ الْأَدِلَّةِ .
فَنَقُولُ الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِهَا ، وَإِبْطَالِهَا وُجُوهٌ :
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ
أَنَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - قَالَ فِي صِفَةِ أَهْلِ النِّفَاقِ مِنْ مُظْهِرِي الْإِسْلَامِ : { وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } إلَى قَوْلِهِ : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } وَقَالَ سُبْحَانَهُ : { إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } وَقَالَ فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ : { وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ } الْآيَةَ .
فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُخَادِعِينَ مَخْدُوعُونَ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ ، وَأَنَّ اللَّهَ خَادِعٌ مَنْ يُخَادِعُهُ وَأَنَّ الْمَخْدُوعَ يَكْفِيهِ اللَّهُ شَرَّ مَنْ خَدَعَهُ ، وَالْمُخَادَعَةُ هِيَ الِاحْتِيَالُ وَالْمُرَاوَغَةُ بِإِظْهَارِ الْخَيْرِ مَعَ إبْطَالِ خِلَافِهِ لِتَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ .
يُقَالُ : طَرِيقٌ خَدِعٌ إذَا كَانَ مُخَالِفاً لِلْقَصْدِ لَا يُفْطَنُ لَهُ ، وَيُقَالُ : غُولٌ خَيْدَعٌ ، وَيُقَالُ : لِلشَّرَابِ الْخَيْدَاعُ ، وَضَبٌّ خَدِعٌ ، أَيْ مُرَاوِغٌ .
وَفِي الْمَثَلِ أَخْدَعُ مِنْ ضَبٍّ ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 19
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩