تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
أَنَّهُ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ ، وَصِحَّتُهَا بَعِيدَةٌ فَإِنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مَعْنٍ قَاضِيَ الْكُوفَةِ قَالَ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ لَقُلْتُ إنَّهُ مَأْجُورٌ ، - يَعْنِي الْمُحَلِّلَ - ، وَهَذِهِ قَالَهَا الْقَاسِمُ فِي مَعْرِضِ التَّشْنِيعِ عَلَى مَنْ قَالَهَا ، فَإِنَّ سِيَاقَ كَلَامِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يَحْتَمِلُهُ النَّاسُ بِوَجْهٍ لَقِيلَ ، فَعُلِمَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْقَوْلِ ، أَوْ قَرِيبَهُ كَانَ مِنْ أَكْبَرِ الْمُنْكَرَاتِ عِنْدَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَأَنَّهُ قَوْلٌ مُحْدَثٌ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلَى أَحَدٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنْ مِثْلِ هَذَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ ؟ وَزَعَمَ دَاوُد بْنُ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مُرِيدُ نِكَاحِ الْمُطَلَّقَةِ لِيُحِلَّهَا لِزَوْجِهَا مَأْجُوراً إذَا لَمْ يُظْهِرْ ذَلِكَ بِاشْتِرَاطِهِ فِي حِينِ الْعَقْدِ ، لِأَنَّهُ قَصَدَ إرْفَاقَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ ، وَإِدْخَالَ السُّرُورِ عَلَيْهِ ، وَمَنْ قَالَ : إنَّ نِكَاحَ الْمُحَلِّلِ صَحِيحٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ ، قَالَ : إنَّهُ يُفِيدُ الْحِلَّ مَعَ الْكَرَاهَةِ ، وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ إذَا صَحَّحُوا النِّكَاحَ ، فَمَرَّةً قَالُوا : لَا تَحِلُّ لَهُ بِهَذَا النِّكَاحِ ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحاً ، وَمَرَّةً قَالُوا : تَحِلُّ بِهِ ، هَكَذَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيَّ وَغَيْرُهُ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ قَالَ : لَا تَحِلُّ مَعَ صِحَّةِ النِّكَاحِ ، لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أَخَّرَهُ الشَّرْعُ ، فَجُوزِيَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ ، كَمَا فِي مَنْعِ قَاتِلِ الْمُوَرِّثِ . فَإِذَا ظَهَرَتْ الْمَقَالَاتُ فِي مَسْأَلَةِ التَّحْلِيلِ ، وَمَا فِيهَا مِنْ التَّفْصِيلِ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَعَامَّةُ السَّلَفِ التَّحْرِيمُ مُطْلَقاً ، وَنَحْنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - نَذْكُرُ الْأَدِلَّةَ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ وَبُطْلَانِهِ ، سَوَاءٌ قَصَدَهُ فَقَطْ ، أَوْ قَصَدَهُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَقْدِ ، أَوْ شَرَطَ مَعَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ ، وَنُبَيِّنُ الدَّلَائِلَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ، فَإِنَّ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - عَلَى الشَّرْطِ الْخَالِي عَنْ نِيَّةٍ وَقْتَ الْعَقْدِ . وَهُنَا طَرِيقَانِ : أَحَدُهُمَا : الْإِشَارَةُ إلَى بُطْلَانِ الْحِيَلِ عُمُوماً . وَالثَّانِيَةُ : الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خُصُوصاً .