تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ : بُطْلَانُ الْحِيَلِ ، وَأَدِلَّةُ التَّحْرِيمِ أَنْ نَقُولَ : إنَّ - اللَّهَ سُبْحَانَهُ - حَرَّمَ أَشْيَاءَ ، إمَّا تَحْرِيماً مُطْلَقاً ، كَتَحْرِيمِ الرِّبَا ، أَوْ تَحْرِيماً مُقَيَّداً إلَى أَنْ يَتَغَيَّرَ حَالٌ مِنْ الْأَحْوَالِ ، كَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثاً ، وَكَتَحْرِيمِ الْمَحْلُوفِ بِطَلَاقِهَا عِنْدَ الْحِنْثِ ، وَأَوْجَبَ أَشْيَاءَ إيجَاباً مُعَلَّقاً بِأَسْبَابٍ : إمَّا حَقّاً لِلَّهِ - سُبْحَانَهُ - ، كَالزَّكَاةِ ، وَنَحْوِهَا ، أَوْ حَقّاً لِلْعِبَادِ كَالشُّفْعَةِ ، ثُمَّ إنَّهُ شَرَعَ أَسْبَاباً تُفْعَلُ لِتَحْصِيلِ مَقَاصِدَ ، كَمَا شَرَعَ الْعِبَادَاتِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ لِابْتِغَاءِ فَضْلِهِ وَرِضْوَانِهِ . وَكَمَا شَرَعَ عَقْدَ الْبَيْعِ لِنَقْلِ الْمِلْكِ بِالْعِوَضِ ، وَعَقْدَ الْقَرْضِ لِإِرْفَاقِ الْمُقْتَرِضِ ، وَعَقْدَ النِّكَاحِ لِلْأَزْوَاجِ ، وَالسَّكَنِ ، وَالْأُلْفَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، وَالْخُلْعِ لِحُصُولِ الْبَيْنُونَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ افْتِدَاءَ الْمَرْأَةِ مِنْ رِقِّ بَعْلِهَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ هَدَى خَلْقَهُ إلَى أَفْعَالٍ تُبَلِّغُهُمْ إلَى مَصَالِحَ لَهُمْ كَمَا شَرَعَ مِثْلَ ذَلِكَ . فَالْحِيلَةُ : أَنْ يَقْصِدَ سُقُوطَ الْوَاجِبِ ، أَوْ حِلَّ الْحَرَامِ ، بِفِعْلٍ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ مَا جُعِلَ ذَلِكَ الْفِعْلُ لَهُ ، أَوْ مَا شُرِعَ ، فَهُوَ يُرِيدُ تَغْيِيرَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِأَسْبَابٍ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا مَا جُعِلَتْ تِلْكَ الْأَسْبَابُ لَهُ ، وَهُوَ يَفْعَلُ تِلْكَ الْأَسْبَابَ لِأَجْلِ مَا هُوَ تَابِعٌ لَهَا ، لَا لِأَجْلِ مَا هُوَ الْمَتْبُوعُ الْمَقْصُودُ بِهَا ، بَلْ يَفْعَلُ السَّبَبَ لِمَا يُنَافِي قَصْدَهُ مِنْ حُكْمِ السَّبَبِ ، فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَلَبَ ثَمَرَةَ الْفِعْلِ الشَّرْعِيِّ وَنَتِيجَتَهُ وَهُوَ لَمْ يَأْتِ بِقِوَامِهِ وَحَقِيقَتِهِ ، فَهَذَا خِدَاعٌ لِلَّهِ ، وَاسْتِهْزَاءٌ بِآيَاتِ اللَّهِ ، وَتَلَاعُبٌ بِحُدُودِ اللَّهِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ الْكِتَابُ ، وَالسُّنَّةُ ، وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ ، وَعَامَّةُ دَعَائِمِ الْإِيمَانِ وَمَبَانِي الْإِسْلَامِ . وَدَلَائِلُ ذَلِكَ لَا تَكَادُ تَنْضَبِطُ وَلَكِنْ نُنَبِّهُ عَلَى بَعْضِهَا . مَعَ أَنَّ الْقَوْلَ بِإِبْطَالِ مِثْلِ هَذِهِ الْحِيَلِ فِي الْجُمْلَةِ مَأْثُورٌ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ،