وَاخْتَلَفَتْ فِيهِ الْمَالِكِيَّةُ ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ الْمُسَافِرُ امْرَأَةً لِيَسْتَمْتِعَ بِهَا وَيُفَارِقَهَا إذَا سَافَرَ ، فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ .
فَإِنْ شَرَطَا ذَلِكَ كَانَ فَاسِداً وَهُوَ نِكَاحُ مُتْعَةٍ ، وَاخْتُلِفَ إذَا فَهِمَتْ ذَلِكَ .
أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : النِّكَاحُ بَاطِلٌ ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَهُ ، فَقَالَ : إنَّمَا يُكْرَهَ الَّتِي يَنْكِحُهَا عَلَى أَنْ لَا يُقِيمَ وَعَلَى ذَلِكَ يَأْتِي ، وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَنَّهُ قَالَ : إذَا أَخْبَرَهَا قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَ ، ثُمَّ أَرَادَ إمْسَاكَهَا فَلَا يُقِيمُ عَلَيْهَا وَلَا يُمْسِكُهَا وَلْيُفَارِقْهَا ، قَالَ مَالِكٌ : إنْ تَزَوَّجَ لِعُزْبَةٍ ، أَوْ هَوًى لِقَضَاءِ أَرَبِهِ وَيُفَارِقُ فَلَا بَأْسَ ، وَلَا أَحْسِبُ إلَّا أَنَّ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ لَوْ عَلِمَتْ ذَلِكَ لَمَا رَضِيَتْ .
الثَّانِي : أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ : إذَا تَزَوَّجَهَا وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا أَكْرَهُهُ هَذِهِ مُتْعَةٌ ، وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو دَاوُد : إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَحْمِلَهَا إلَى خُرَاسَانَ وَمِنْ رَأْيِهِ إذَا حَمَلَهَا أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهَا ، فَقَالَ : لَا ، هَذَا يُشْبِهُ الْمُتْعَةَ حَتَّى يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا امْرَأَتُهُ مَا حَيِيَتْ ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ ، لِأَنَّهُ جَعَلَ هَذَا مُتْعَةً ، وَالْمُتْعَةُ حَرَامٌ عِنْدَهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي ، فِي خِلَافِهِ : ظَاهِرُ هَذَا إبْطَالُ الْعَقْدِ ، وَكَذَلِكَ اسْتَدْرَكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَبِي الْخَطَّابِ يَقُولُ أَحْمَدُ هَذِهِ مُتْعَةٌ .
قَالَ : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ ، لَكِنَّ قَوْلَ أَبِي الْخَطَّابِ يَقْوَى فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، فَإِنَّهُ قَالَ : يُشْبِهُ الْمُتْعَةَ ، وَالْمُشَبَّهُ بِالشَّيْءِ قَدْ يَنْقُصُ عَنْهُ ، لِأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ الْمَنْعُ ، لِأَنَّهُ قَالَ : حَتَّى يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا امْرَأَتُهُ مَا حَيِيَتْ فِي الْجُمْلَةِ ، أَمَّا إذَا نَوَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا لِيُحِلَّهَا ، فَلَمْ يُذْكَرْ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ لَفْظٌ مُحْتَمِلٌ لِعَدَمِ التَّحْرِيمِ ، وَأَمَّا إذَا نَوَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي وَقْتٍ فَقَدْ نَصَّ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي رِوَايَةٍ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَهَا مِثْلَ تِلْكَ الرِّوَايَةِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ تَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ دُونَ التَّحْرِيمِ ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ : لَا بَأْسَ بِهِ .
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْمَذْهَبِ فِيمَا إذَا قَصَدَ التَّحْلِيلَ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَلَا مَعَهُ ، فَأَمَّا إذَا تَوَاطَآ عَلَى التَّحْلِيلِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَعَقَدَا عَلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ فَهُوَ كَالْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ هَؤُلَاءِ ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِأَصْلِنَا إذَا قُلْنَا : إنَّ النِّيَّةَ الْمُجَرَّدَةَ لَا تُؤَثِّرُ فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ الشُّرُوطَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى الْعَقْدِ إذَا لَمْ تُفْسَخْ إلَى حِينِ الْعَقْدِ ، فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُقَارِنَةِ ، وَهُوَ مَفْهُومُ مَا خَرَّجَهُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 13
مساهمون: ابن تيمية
ص١٣