تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
الْأَخْبَارِ مَا لَمْ يَكُنْ لِيَأْخُذَهُ بِنَفْسِهِ ، حَتَّى إنَّ مَنْ فَقَدْ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ فَإِنَّهُ يَفْقِدُ بِفَقْدِهِ مِنْ الْعِلْمِ مَا كَانَ هُوَ الْوَاسِطَةُ فِيهِ . فَالْأَصَمُّ لَا يَعْلَمُ مَا فِي الْكَلَامِ مِنْ الْعِلْمِ . وَالضَّرِيرُ لَا يَدْرِي مَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ الْأَشْخَاصُ مِنْ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ . وَكَذَلِكَ مَنْ نَظَرَ إلَى الْأَشْيَاءِ بِغَيْرِ قَلْبٍ ، أَوْ اسْتَمَعَ إلَى كَلِمَاتِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِغَيْرِ قَلْبٍ . فَإِنَّهُ لَا يَعْقِلُ شَيْئاً . فَمَدَارُ الْأَمْرِ عَلَى الْقَلْبِ . وَعِنْدَ هَذَا تَسْتَبِينُ الْحِكْمَةُ فِي قَوْله تَعَالَى : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } . حَتَّى لَمْ يَذْكُرْ هُنَا الْعَيْنَ كَمَا فِي الْآيَاتِ السَّوَابِقِ . فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ هُنَا فِي أُمُورٍ غَائِبَةٍ . وَحِكْمَةٍ مَعْقُولَةٍ مِنْ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ . لَا مَجَالَ لِنَظَرِ الْعَيْنِ فِيهَا . وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ : { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ } ، وَتَتَبَيَّنُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ : { إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ } . فَإِنَّ مَنْ يُؤْتَى الْحِكْمَةَ وَيَنْتَفِعُ بِالْعِلْمِ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ . إمَّا رَجُلٌ رَأَى الْحَقَّ بِنَفْسِهِ فَقَبِلَهُ وَاتَّبَعَهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى مَنْ يَدْعُوهُ إلَيْهِ . فَذَلِكَ صَاحِبُ الْقَلْبِ . أَوْ رَجُلٌ لَمْ يَعْقِلْهُ بِنَفْسِهِ بَلْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى مَنْ يُعَلِّمُهُ وَيُبَيِّنُ لَهُ وَيَعِظُهُ وَيُؤَدِّبُهُ . فَهَذَا أَصْغَى فَأَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ . أَيْ حَاضِرُ الْقَلْبِ لَيْسَ بِغَائِبِهِ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ أَوُتَى الْعِلْمَ وَكَانَ لَهُ ذِكْرَى . وَيُتَبَيَّنُ قَوْلُهُ : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْك أَفَأَنْت تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إلَيْك أَفَأَنْت تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ } . وَقَوْلُهُ : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إلَيْك وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكَنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً } . ثُمَّ إذَا كَانَ حَقُّ الْقَلْبِ أَنْ يَعْلَمَ الْحَقَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ : { فَذَلِكُمْ اللَّهُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 51 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا