رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ } .
إذَا كَانَ كُلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ لَمْحَةُ نَاظِرٍ .
وَيُحَوَّلُ فِي لَفْتَةِ خَاطِرٍ .
فَاَللَّهُ رَبُّهُ وَمُنْشَئِهِ وَفَاطِرُهُ وَمُبْدِئُهُ ؛ لَا يُحِيطُ عِلْماً إلَّا بِمَا هُوَ مِنْ آيَاتِهِ الْبَيِّنَةِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ .
وَأَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا لَبِيدٌ : أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ .
مَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ إذَا نَظَرْت إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ وَجَدْتَهُ إلَى الْعَدَمِ مَا هُوَ فَقِيرٌ إلَى الْحَيِّ الْقَيُّومِ .
فَإِذَا نَظَرْت إلَيْهِ وَقَدْ تَوَلَّتْهُ يَدُ الْعِنَايَةِ بِتَقْدِيرِ مَنْ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى .
رَأَيْته حِينَئِذٍ مَوْجُوداً مَكْسُوّاً حُلَلَ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ .
فَقَدْ اسْتَبَانَ الْقَلْبُ إنَّمَا خُلِقَ لِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ .
وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ : أَظُنُّهُ سُلَيْمَانُ الْخَوَّاصُ رَحِمَهُ اللَّهُ الذِّكْرُ لِلْقَلْبِ بِمَنْزِلَةِ الْغِذَاءِ لِلْجَسَدِ ، فَكَمَا لَا يَجِدُ الْجَسَدُ لَذَّةَ الطَّعَامِ مَعَ السَّقَمِ ، فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ لَا يَجِدُ حَلَاوَةَ الذِّكْرِ مَعَ حُبِّ الدُّنْيَا ، أَوْ كَمَا قَالَ : فَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ مَشْغُولاً بِاَللَّهِ عَاقِلاً لِلْحَقِّ ، مُفَكِّراً فِي الْعِلْمِ ، فَقَدْ وُضِعَ مَوْضِعَهُ ، كَمَا أَنَّ الْعَيْنَ إذَا صُرِفَتْ إلَى النَّظَرِ فِي الْأَشْيَاءِ فَقَدْ وُضِعَتْ فِي مَوْضِعِهَا .
أَمَّا إذَا لَمْ يُصْرَفْ إلَى الْعِلْمِ ، وَلَمْ يُرْعَ فِيهِ الْحَقَّ ، فَنَسِيَ رَبَّهُ ، فَلَمْ يُوضَعْ فِي مَوْضِعٍ ، بَلْ هُوَ ضَائِعٌ ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُقَالَ : قَدْ وُضِعَ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، بَلْ لَمْ يُوضَعْ أَصْلاً ، فَإِنَّ مَوْضِعَهُ هُوَ الْحَقُّ ، وَمَا سِوَى الْحَقِّ بَاطِلٌ .
فَإِذَا لَمْ يُوضَعْ فِي الْحَقِّ لَمْ يَبْقَ إلَّا الْبَاطِلُ ، وَالْبَاطِلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ أَصْلاً ، وَمَا لَيْسَ بِشَيْءٍ أَحْرَى إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعاً .
وَالْقَلْبُ هُوَ بِنَفْسِهِ لَا يَقْبَلُ إلَّا الْحَقَّ ، فَإِذَا لَمْ يُوضَعْ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ غَيْرَ مَا خُلِقَ لَهُ : { سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً } وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَتْرُوكٍ مُخْلًى ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَزَالُ مِنْ أَوْدِيَةِ الْأَفْكَارِ وَأَقْطَارِ الْأَمَانِي ، لَا يَكُونُ عَلَى الْحَالِ الَّتِي تَكُونُ عَلَيْهَا الْعَيْنُ وَالْأُذُنُ مِنْ الْفَرَاغِ وَالتَّخَلِّي ، فَقَدْ وُضِعَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، لَا مُطْلَقٍ وَلَا مُعَلَّقٍ ، مَوْضُوعٌ لَا مَوْضِعَ لَهُ ، وَهَذَا مِنْ الْعَجَبِ ، فَسُبْحَانَ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 52
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٢