تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ } . إذَا كَانَ كُلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ لَمْحَةُ نَاظِرٍ . وَيُحَوَّلُ فِي لَفْتَةِ خَاطِرٍ . فَاَللَّهُ رَبُّهُ وَمُنْشَئِهِ وَفَاطِرُهُ وَمُبْدِئُهُ ؛ لَا يُحِيطُ عِلْماً إلَّا بِمَا هُوَ مِنْ آيَاتِهِ الْبَيِّنَةِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ . وَأَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا لَبِيدٌ : أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ . مَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ إذَا نَظَرْت إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ وَجَدْتَهُ إلَى الْعَدَمِ مَا هُوَ فَقِيرٌ إلَى الْحَيِّ الْقَيُّومِ . فَإِذَا نَظَرْت إلَيْهِ وَقَدْ تَوَلَّتْهُ يَدُ الْعِنَايَةِ بِتَقْدِيرِ مَنْ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى . رَأَيْته حِينَئِذٍ مَوْجُوداً مَكْسُوّاً حُلَلَ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ . فَقَدْ اسْتَبَانَ الْقَلْبُ إنَّمَا خُلِقَ لِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ . وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ : أَظُنُّهُ سُلَيْمَانُ الْخَوَّاصُ رَحِمَهُ اللَّهُ الذِّكْرُ لِلْقَلْبِ بِمَنْزِلَةِ الْغِذَاءِ لِلْجَسَدِ ، فَكَمَا لَا يَجِدُ الْجَسَدُ لَذَّةَ الطَّعَامِ مَعَ السَّقَمِ ، فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ لَا يَجِدُ حَلَاوَةَ الذِّكْرِ مَعَ حُبِّ الدُّنْيَا ، أَوْ كَمَا قَالَ : فَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ مَشْغُولاً بِاَللَّهِ عَاقِلاً لِلْحَقِّ ، مُفَكِّراً فِي الْعِلْمِ ، فَقَدْ وُضِعَ مَوْضِعَهُ ، كَمَا أَنَّ الْعَيْنَ إذَا صُرِفَتْ إلَى النَّظَرِ فِي الْأَشْيَاءِ فَقَدْ وُضِعَتْ فِي مَوْضِعِهَا . أَمَّا إذَا لَمْ يُصْرَفْ إلَى الْعِلْمِ ، وَلَمْ يُرْعَ فِيهِ الْحَقَّ ، فَنَسِيَ رَبَّهُ ، فَلَمْ يُوضَعْ فِي مَوْضِعٍ ، بَلْ هُوَ ضَائِعٌ ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُقَالَ : قَدْ وُضِعَ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، بَلْ لَمْ يُوضَعْ أَصْلاً ، فَإِنَّ مَوْضِعَهُ هُوَ الْحَقُّ ، وَمَا سِوَى الْحَقِّ بَاطِلٌ . فَإِذَا لَمْ يُوضَعْ فِي الْحَقِّ لَمْ يَبْقَ إلَّا الْبَاطِلُ ، وَالْبَاطِلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ أَصْلاً ، وَمَا لَيْسَ بِشَيْءٍ أَحْرَى إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضِعاً . وَالْقَلْبُ هُوَ بِنَفْسِهِ لَا يَقْبَلُ إلَّا الْحَقَّ ، فَإِذَا لَمْ يُوضَعْ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ غَيْرَ مَا خُلِقَ لَهُ : { سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً } وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَتْرُوكٍ مُخْلًى ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَزَالُ مِنْ أَوْدِيَةِ الْأَفْكَارِ وَأَقْطَارِ الْأَمَانِي ، لَا يَكُونُ عَلَى الْحَالِ الَّتِي تَكُونُ عَلَيْهَا الْعَيْنُ وَالْأُذُنُ مِنْ الْفَرَاغِ وَالتَّخَلِّي ، فَقَدْ وُضِعَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، لَا مُطْلَقٍ وَلَا مُعَلَّقٍ ، مَوْضُوعٌ لَا مَوْضِعَ لَهُ ، وَهَذَا مِنْ الْعَجَبِ ، فَسُبْحَانَ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 52 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا