تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
ثُمَّ إنَّ سَيِّدَ الْأَعْضَاءِ وَرَأْسَهَا هُوَ الْقَلْبُ كَمَا سُمِّيَ قَلْباً ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ } . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ ، وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إلَى صَدْرِهِ ، وَقَالَ : أَلَا إنَّ التَّقْوَى هَاهُنَا ، أَلَا إنَّ التَّقْوَى هَاهُنَا } . وَإِذْ قَدْ خُلِقَ لِيُعْلَمَ بِهِ فَتَوَجُّهُهُ نَحْوَ الْأَشْيَاءِ ابْتِغَاءَ الْعِلْمِ بِهَا هُوَ الْفِكْرُ وَالنَّظَرُ ، كَمَا أَنَّ إقْبَالَ الْأُذُنِ عَلَى الْكَلَامِ ابْتِغَاءَ سَمْعِهِ هُوَ الْإِصْغَاءُ وَالِاسْتِمَاعُ ، وَانْصِرَافُ الطَّرَفِ إلَى الْأَشْيَاءِ طَلَباً لِرُؤْيَتِهَا هُوَ النَّظَرُ ، فَالْفِكْرُ لِلْقَلْبِ كَالْإِصْغَاءِ لِلْأُذُنِ إذَا سَمِعَتْ مَا أَصْغَتْ إلَيْهِ ، وَمِثْلُهُ نَظَرُ الْعَيْنَيْنِ فِي شَيْءٍ ، وَإِذَا عُلِمَ مَا نَظَرَ فِيهِ فَذَاكَ مَطْلُوبُهُ ، كَمَا أَنَّ الْأُذُنَ إذَا سَمِعَتْ مَا أَصْغَتْ إلَيْهِ ، أَوْ الْعَيْنَ إذَا أَبْصَرَتْ مَا نَظَرَتْ إلَيْهِ . وَكَمْ مِنْ نَاظِرٍ مُفَكِّرٍ لَمْ يُحِبَّ الْعِلْمَ وَلَمْ يَنَلْهُ ، كَمَا أَنَّهُ كَمْ مِنْ نَاظِرٍ إلَى الْهِلَالِ لَا يُبْصِرُهُ ، وَمُسْتَمِعٍ إلَى صَوْتٍ لَا يَسْمَعُهُ ، وَعَكْسُهُ مَنْ يُؤْتَى عِلْماً بِشَيْءٍ لَمْ يَنْظُرْ فِيهِ ، وَلَمْ تَسْبِقْ مِنْهُ سَابِقَةُ فِكْرٍ كَمَنْ فَاجَأَتْهُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِ ، أَوْ سَمِعَ قَوْلاً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصْغِيَ إلَيْهِ . وَذَلِكَ كُلُّهُ لِأَنَّ الْقَلْبَ بِنَفْسِهِ يَقْبَلُ الْعِلْمَ ؛ وَإِنَّمَا الْأَمْرُ مَوْقُوفٌ عَلَى شَرَائِطَ وَاسْتِعْدَادٍ قَدْ يَكُونُ فِعْلاً مِنْ الْإِنْسَانِ فَيَكُونُ مَطْلُوباً . وَقَدْ يَأْتِي فَضْلاً مِنْ اللَّهِ فَيَكُونُ مَوْهُوباً فَصَلَاحُ الْقَلْبِ وَحَقُّهُ . وَاَلَّذِي خُلِقَ مِنْ أَجْلِهِ ، هُوَ أَنْ يَعْقِلَ الْأَشْيَاءَ ، لَا أَقُولُ أَنْ يَعْلَمَهَا ، فَقَدْ يَعْلَمُ الشَّيْءَ مَنْ لَا يَكُونُ عَاقِلاً لَهُ . بَلْ غَافِلاً عَنْهُ ، مُلْغِياً لَهُ ، وَاَلَّذِي يَعْقِلُ الشَّيْءَ هُوَ الَّذِي يُقَيِّدُهُ وَيَضْبِطُهُ وَيَعِيهِ وَيُثْبِتُهُ فِي قَلْبِهِ ، فَيَكُونُ وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ غَنِيّاً ، فَيُطَابِقُ عَمَلُهُ قَوْلَهُ ، وَبَاطِنُهُ ظَاهِرَهُ . وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي أُوتِيَ الْحِكْمَةَ : { وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً } . وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : إنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُؤْتَى عِلْماً ، وَلَا يُؤْتَى حُكْماً ، وَإِنَّ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ مِمَّنْ أُوتِيَ عِلْماً وَحُكْماً .