تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } . ثُمَّ الْقَلْبُ لِلْعِلْمِ كَالْإِنَاءِ لِلْمَاءِ ، وَالْوِعَاءِ لِلْغُسْلِ وَالْوَادِي لِلسَّيْلِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } الْآيَةَ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَصَابَ أَرْضاً فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ ، فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ ، وَكَانَتْ فِيهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَسَقَى النَّاسُ وَزَرَعُوا ، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً . وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً . فَذَلِكَ مِثْلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا أُرْسِلْت بِهِ ، وَمِثْلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً ، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْت بِهِ } . وَفِي حَدِيثِ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : " الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا " . وَبَلَغَنَا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ قَالَ : الْقُلُوبُ آنِيَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ فَأَحَبُّهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَرَقُّهَا وَأَصْفَاهَا . وَهَذَا مَثَلٌ حَسَنٌ فَإِنَّ الْقَلْبَ إذَا كَانَ رَقِيقاً لَيِّناً كَانَ قَبُولُهُ لِلْعِلْمِ سَهْلاً يَسِيراً ، وَرَسَخَ فِيهِ وَأَثَّرَ ، وَإِنْ يَكُنْ قَاسِياً غَلِيظاً يَكُنْ قَبُولُهُ لِلْعِلْمِ صَعْباً عَسِيراً . وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ زَكِيّاً صَافِياً سَلِيماً حَتَّى يَزْكُوَ فِيهِ الْعِلْمُ ، وَيُثْمِرَ ثَمَراً طَيِّباً وَإِلَّا فَلَوْ قَبِلَ الْعِلْمَ وَكَانَ فِيهِ كَدَرٌ وَخَبَثٌ أَفْسَدَ ذَلِكَ الْعِلْمَ ، وَكَانَ كَالدَّغَلِ فِي الْمُزْدَرَعِ ، إنْ لَمْ يَمْنَعْ الْحَبَّ مِنْ أَنْ يُنْبِتَ ، مَنَعَهُ مِنْ أَنْ يَزْكُوَ وَيَطِيبَ ، وَهَذَا بَيِّنٌ لِأُولِي الْأَبْصَارِ . وَتَلْخِيصُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْحَقِّ فَلَهُ وَجْهَانِ : وَجْهٌ مُقْبِلٌ عَلَى الْحَقِّ ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُقَالُ لَهُ وِعَاءٌ وَإِنَاءٌ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَسْتَوْجِبُ مَا يُوعَى فِيهِ وَيُوضَعُ فِيهِ ، وَهَذِهِ الصِّبْغَةُ وُجُودُ ثُبُوتٍ ، وَوَجْهٌ مُعْرِضٌ عَنْ الْبَاطِلِ ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يُقَالُ لَهُ زَكِيٌّ وَسَلِيمٌ وَطَاهِرٌ ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الشَّرِّ وَالْخُبْثِ وَالدَّغَلِ وَهَذِهِ