تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
وَإِنَّمَا تَنْكَشِفُ لَهُ هَذِهِ الْحَالُ عِنْدَ رُجُوعِهِ إلَى الْحَقِّ : إمَّا فِي الدُّنْيَا عِنْدَ الْإِنَابَةِ أَوْ عِنْدَ الْمُنْقَلَبِ إلَى الْآخِرَةِ ، فَيَرَى سُوءَ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا ، وَكَيْفَ كَانَ قَلْبُهُ ضَالّاً عَنْ الْحَقِّ ، هَذَا إذَا صُرِفَ إلَيَّ الْبَاطِلِ . فَأَمَّا لَوْ تُرِكَ وَحَالَتُهُ الَّتِي فُطِرَ عَلَيْهَا فَارِغاً عَنْ كُلِّ ذِكْرٍ . وَخَالِياً مِنْ كُلِّ فِكْرٍ ، لَقَدْ كَانَ يَقْبَلُ الْعِلْمَ الَّذِي لَا جَهْلَ فِيهِ ، وَيَرَى الْحَقَّ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ . فَيُؤْمِنُ بِرَبِّهِ وَيُنِيبُ إلَيْهِ . فَإِنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ . كَمَا تَنْتِجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ لَا تَحُسُّ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ : { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } . وَإِنَّمَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَقِّ فِي غَالِبِ الْحَالِ ، شُغْلُهُ بِغَيْرِهِ مِنْ فِتَنِ الدُّنْيَا ، وَمَطَالِبِ الْجَسَدِ ، وَشَهَوَاتِ النَّفْسِ ، فَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالِ كَالْعَيْنِ النَّاظِرَةِ إلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَرَى مَعَ ذَلِكَ الْهِلَالَ ، أَوْ هُوَ يَمِيلُ إلَيْهِ فَيَصُدُّهُ عَنْ اتِّبَاعِ الْحَقِّ . فَيَكُونُ كَالْعَيْنِ الَّتِي فِيهَا قَذًى لَا يُمَكِّنُهَا رُؤْيَةُ الْأَشْيَاءِ . ثُمَّ الْهَوَى قَدْ يَعْرِضُ لَهُ قَبْلَ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ فَيَصُدُّهُ عَنْ النَّظَرِ فِيهِ . فَلَا يَتَبَيَّنُ لَهُ الْحَقُّ كَمَا قِيلَ : { حُبُّك الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ } فَيَبْقَى فِي ظُلْمَةِ الْأَفْكَارِ . وَكَثِيراً مَا يَكُونُ ذَلِكَ كِبْراً يَمْنَعُهُ عَنْ أَنْ يَطْلُبَ الْحَقَّ : { فَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ } . وَقَدْ يَعْرِضُ الْهَوَى بَعْدَ أَنْ عَرَفَ الْحَقَّ فَيَجْحَدُهُ وَيُعْرِضُ عَنْهُ ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِيهِمْ : { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ