الْقَدِيمِ } .
وَقَالَ : { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إفْكٌ قَدِيمٌ } .
وَقَالَ : { أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ، أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ } وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً } لَمْ يَقُلْ ( جَعَلْنَاهُ ) فَقَطْ حَتَّى يُظَنَّ أَنَّهُ بِمَعْنَى خَلَقْنَاهُ وَلَكِنْ قَالَ : { جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً } ، أَيْ صَيَّرْنَاهُ عَرَبِيّاً ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ قَادِراً عَلَى أَنْ يُنَزِّلَهُ عَجَمِيّاً وَيُنَزِّلَهُ عَرَبِيّاً ، فَلَمَّا أَنْزَلَهُ عَرَبِيّاً ، كَانَ قَدْ جَعَلَهُ عَرَبِيّاً دُونَ عَجَمِيٍّ .
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي فَارَقُوا بِهَا الْجَهْمِيَّةَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
1027 - 3 مَسْأَلَةٌ : فِيمَنْ قَالَ : إنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسًى تَكْلِيماً ، فَقَالَ لَهُ آخَرُ : بَلْ كَلَّمَهُ تَكْلِيماً ، فَقَالَ : إنْ قُلْت كَلَّمَهُ ، فَالْكَلَامُ لَا يَكُونُ إلَّا بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ ، وَالْحَرْفُ وَالصَّوْتُ مُحْدَثٌ ، وَمَنْ قَالَ إنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ فَهُوَ كَافِرٌ كَمَا قَالَ أَمْ لَا ؟
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيماً ، فَهَذَا إنْ كَانَ لَمْ يَسْمَعْ الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يُعَرَّفُ أَنَّ هَذَا نَصُّ الْقُرْآنِ ، فَإِنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ اُسْتُتِيبَ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إنْ كَانَ كَلَامُهُ بَعْدَ أَنْ يَجْحَدَ نَصَّ الْقُرْآنِ .
بَلْ لَوْ قَالَ : إنَّ مَعْنَى كَلَامِي أَنَّهُ خَلَقَ صَوْتاً فِي الْهَوَاءِ فَأَسْمَعَهُ مُوسَى ، كَانَ كَلَامُهُ أَيْضاً كُفْراً ، وَهُوَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ كَفَّرَهُمْ السَّلَفُ وَقَالُوا يُسْتَتَابُونَ ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا ، لَكِنَّ مَنْ كَانَ مُوقِناً بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ مُطْلَقاً ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ مِنْ الْعِلْمِ مَا يُبَيِّنُ لَهُ الصَّوَابَ ، فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَفَرَ ، إذْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يُخْطِئُ فِيمَا يَتَأَوَّلُهُ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَيَجْهَلُ كَثِيراً مِمَّا يَرِدُ مِنْ مَعَانِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 43
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٣