تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 41

مساهمون:

ص٤١
الْمَخْلُوقَاتِ كَاللَّوْحِ أَوْ الْهَوَاءِ فَهُوَ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ ، مُكَذِّبٌ لِكِتَابِ اللَّهِ ، مُتَّبِعٌ لِغَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ . أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنَ مَا نَزَّلَهُ مِنْهُ ، وَمَا نَزَّلَهُ مِنْ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ كَالْمَطَرِ بِأَنَّهُ قَالَ : { أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً } ، فَذَكَرَ الْمَطَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ نَزَّلَهُ مِنْ السَّمَاءِ ، وَالْقُرْآنُ أَخْبَرَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْهُ ، وَأَخْبَرَ بِتَنْزِيلٍ مُطْلَقٍ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ : { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ } لِأَنَّ الْحَدِيدَ يَنْزِلُ مِنْ رُؤُوسِ الْجِبَالِ لَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ ، وَكَذَلِكَ أَنْزَلَ الْحَيَوَانَ ، فَإِنَّ الذَّكَرَ يُنْزِلُ الْمَاءَ فِي الْإِنَاثِ ، فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ مِنْ السَّمَاءِ . وَلَوْ كَانَ جِبْرِيلُ أَخَذَ الْقُرْآنَ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لَكَانَ الْيَهُودُ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ لِمُوسَى التَّوْرَاةَ وَأَنْزَلَهَا مَكْتُوبَةً ، فَيَكُونُ بَنُو إسْرَائِيلَ قَدْ قَرَؤُوا الْأَلْوَاحَ الَّتِي كَتَبَهَا اللَّهُ ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ فَأَخَذُوهُ عَنْ مُحَمَّدٍ ، وَمُحَمَّدٌ أَخَذَهُ عَنْ جِبْرِيلَ عَنْ اللَّوْحِ ، ، فَيَكُونُ بَنُو إسْرَائِيلَ بِمَنْزِلَةِ جِبْرِيلَ ، وَتَكُونُ مَنْزِلَةُ بَنِي إسْرَائِيلَ أَرْفَعَ مِنْ مَنْزِلَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ مِنْ فَضَائِلِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ ، وَأَنَّهُ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ تِلَاوَةً لَا كِتَابَةً ، وَفَرَّقَهُ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ ذَلِكَ فَقَالَ : { وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً } وَقَالَ تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَك وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } . ثُمَّ إنْ كَانَ جِبْرِيلُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا وَجَدَهُ مَكْتُوباً ، كَانَتْ الْعِبَارَةُ عِبَارَةَ جِبْرِيلَ ، وَكَانَ الْقُرْآنُ كَلَامَ جِبْرِيلَ ، تَرْجَمَ بِهِ عَنْ اللَّهِ ، كَمَا يُتَرْجَمُ عَنْ الْأَخْرَسِ الَّذِي كَتَبَ كَلَاماً وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ ، وَهَذَا خِلَافُ دِينِ الْمُسْلِمِينَ . وَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِقَوْلِهِ : { إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } ) قِيلَ لَهُ : فَقَدْ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : { إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، وَمَا هُوَ