تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ ، وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ } ، فَالرَّسُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ جِبْرِيلُ ، وَالرَّسُولُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى مُحَمَّدٌ . فَلَوْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ الرَّسُولَ أَحْدَثَ عِبَارَتَهُ لَتَنَاقَضَ الْخَبَرَانِ . فَعُلِمَ أَنَّهُ أَضَافَهُ إلَيْهِ إضَافَةَ تَبْلِيغٍ لَا إضَافَةَ إحْدَاثٍ ، وَلِهَذَا قَالَ : { لَقَوْلُ رَسُولٍ } ، وَلَمْ يَقُلْ مَلَكٍ وَلَا نَبِيٍّ . وَلَا رَيْبَ أَنَّ الرَّسُولَ بَلَّغَهُ ، كَمَا قَالَ : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبِّك } ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ وَيَقُولُ : { أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي . فَإِنَّ قُرَيْشاً قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي } . وَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ : { ألم ، غُلِبَتْ الرُّومُ } ) خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقَرَأَهَا عَلَى النَّاسِ . فَقَالُوا : هَذَا كَلَامُك أَمْ كَلَامُ صَاحِبِك ؟ فَقَالَ : لَيْسَ بِكَلَامِي وَلَا كَلَامِ صَاحِبِي . وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ . وَإِنْ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ : { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ } ، قِيلَ لَهُ : هَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْك . فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ : { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ } عُلِمَ أَنَّ الذِّكْرَ مِنْهُ مُحْدَثٌ . وَمِنْهُ مَا لَيْسَ بِمُحْدَثٍ ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ إذَا وُصِفَتْ مَيَّزَتْهَا بَيْنَ الْمَوْصُوفِ وَغَيْرِهِ . كَمَا لَوْ قَالَ : مَا يَأْتِينِي مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ إلَّا أَكْرَمْته . وَمَا آكُلُ إلَّا طَعَاماً حَلَالاً وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَيُعْلَمُ أَنَّ الْمُحْدَثَ فِي الْآيَةِ لَيْسَ هُوَ الْمَخْلُوقُ الَّذِي يَقُولُهُ الْجَهْمِيُّ . وَلَكِنَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ جَدِيداً . فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ يُنَزِّلُ الْقُرْآنَ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ . فَالْمُنَزَّلُ أَوَّلاً هُوَ قَدِيمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُنَزَّلِ آخِراً . وَكُلُّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ قَدِيمٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ . كَمَا قَالَ : { كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ } وَقَالَ : { تَاللَّهِ إنَّك لَفِي ضَلَالِك
الفتاوى الكبرى — صفحة 42 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا