بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ ، وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ } ، فَالرَّسُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ جِبْرِيلُ ، وَالرَّسُولُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى مُحَمَّدٌ .
فَلَوْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ الرَّسُولَ أَحْدَثَ عِبَارَتَهُ لَتَنَاقَضَ الْخَبَرَانِ .
فَعُلِمَ أَنَّهُ أَضَافَهُ إلَيْهِ إضَافَةَ تَبْلِيغٍ لَا إضَافَةَ إحْدَاثٍ ، وَلِهَذَا قَالَ : { لَقَوْلُ رَسُولٍ } ، وَلَمْ يَقُلْ مَلَكٍ وَلَا نَبِيٍّ .
وَلَا رَيْبَ أَنَّ الرَّسُولَ بَلَّغَهُ ، كَمَا قَالَ : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبِّك } ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ وَيَقُولُ : { أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إلَى قَوْمِهِ لِأُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي .
فَإِنَّ قُرَيْشاً قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي } .
وَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ : { ألم ، غُلِبَتْ الرُّومُ } ) خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقَرَأَهَا عَلَى النَّاسِ .
فَقَالُوا : هَذَا كَلَامُك أَمْ كَلَامُ صَاحِبِك ؟ فَقَالَ : لَيْسَ بِكَلَامِي وَلَا كَلَامِ صَاحِبِي .
وَلَكِنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ .
وَإِنْ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ : { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ } ، قِيلَ لَهُ : هَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْك .
فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ : { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ } عُلِمَ أَنَّ الذِّكْرَ مِنْهُ مُحْدَثٌ .
وَمِنْهُ مَا لَيْسَ بِمُحْدَثٍ ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ إذَا وُصِفَتْ مَيَّزَتْهَا بَيْنَ الْمَوْصُوفِ وَغَيْرِهِ .
كَمَا لَوْ قَالَ : مَا يَأْتِينِي مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ إلَّا أَكْرَمْته .
وَمَا آكُلُ إلَّا طَعَاماً حَلَالاً وَنَحْوَ ذَلِكَ .
وَيُعْلَمُ أَنَّ الْمُحْدَثَ فِي الْآيَةِ لَيْسَ هُوَ الْمَخْلُوقُ الَّذِي يَقُولُهُ الْجَهْمِيُّ .
وَلَكِنَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ جَدِيداً .
فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ يُنَزِّلُ الْقُرْآنَ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ .
فَالْمُنَزَّلُ أَوَّلاً هُوَ قَدِيمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُنَزَّلِ آخِراً .
وَكُلُّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ قَدِيمٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ .
كَمَا قَالَ : { كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ } وَقَالَ : { تَاللَّهِ إنَّك لَفِي ضَلَالِك
الفتاوى الكبرى — صفحة 42
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٢