تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
الدَّالَّةُ عَلَيْهِ ، فَقَوْلٌ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالِاضْطِرَارِ عَقْلاً وَشَرْعاً . وَإِخْرَاجُ الْحُرُوفِ عَنْ مُسَمَّى الْكَلَامِ مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ جَمِيعِ اللُّغَاتِ . وَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحُرُوفَ وَالْأَصْوَاتَ الْمَخْلُوقَةَ فِي غَيْرِ كَلَامِ اللَّهِ حَقِيقَةٌ ، أَمْكَنَ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ كَلَّمَ مُوسَى بِكَلَامٍ مَخْلُوقٍ فِي غَيْرِهِ ، قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ الْأَوَّلِينَ : إذَا قُلْتُمْ إنَّ الْكَلَامَ هُوَ مُجَرَّدُ الْمَعْنَى وَقَدْ خُلِقَ عِبَارَةً . فَإِنْ قُلْتُمْ إنَّ تِلْكَ الْعِبَارَةَ كَلَامٌ حَقِيقَةً . بَطَلَتْ حُجَّتُكُمْ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ . فَإِنَّ أَعْظَمَ حُجَّتِكُمْ عَلَيْهِمْ قَوْلُكُمْ : إنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مُتَكَلِّماً بِكَلَامٍ يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ كَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَعْلَمَ بِعِلْمٍ قَائِمٍ بِغَيْرِهِ . وَأَنْ يَقْدِرَ بِقُدْرَةٍ قَائِمَةٍ بِغَيْرِهِ . وَأَنْ يُرِيدَ بِإِرَادَةٍ قَائِمَةٍ بِغَيْرِهِ . وَإِنْ قُلْتُمْ : هِيَ كَلَامٌ مَجَازاً لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ حَقِيقَةً فِي الْمَعْنَى . مَجَازاً فِي اللَّفْظِ . وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ فَسَادُهُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ جَمِيعِ اللُّغَاتِ . وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ : الَّذِينَ لَمْ يَمْنَعُوا الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَلَكِنْ اسْتَفْسَرُوهُمْ وَبَيَّنُوا أَنَّ هَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ صِحَّةَ قَوْلِكُمْ ، بَلْ قَالُوا إنْ قُلْتُمْ إنَّ الْحَرْفَ وَالصَّوْتَ مُحْدَثٌ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقاً مِنْهُ مُنْفَصِلاً عَنْهُ ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ قَوْلِكُمْ وَتَنَاقُضِهِ ، وَهَذَا قَوْلٌ مَمْنُوعٌ ، وَإِنْ قُلْتُمْ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَدِيماً . فَهَذَا مُسَلَّمٌ لَكُمْ ، لَكِنَّ تَسْمِيَتَهُ هَذَا مُحْدَثٌ . وَهَؤُلَاءِ صِنْفَانِ : صِنْفٌ قَالَ : إنَّ الْمُحْدَثَ هُوَ الْمَخْلُوقُ الْمُنْفَصِلُ عَنْهُ ، فَإِذَا قُلْنَا الْحَرْفُ وَالصَّوْتُ لَا يَكُونُ إلَّا مُحْدَثاً . كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِنَا لَا يَكُونُ إلَّا مَخْلُوقاً . وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ هَذَا الْمُعْتَزِلِيُّ أَبْطَلَ قَوْلَهُ بِقَوْلِهِ ، حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ مَخْلُوقٍ ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ لَا يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ مَخْلُوقٍ فِيهِ تَلْبِيسٌ . وَنَحْنُ لَا نَقُولُ كَلَّمَ مُوسَى بِكَلَامٍ قَدِيمٍ وَلَا بِكَلَامٍ مَخْلُوقٍ ، بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ يَتَكَلَّمُ إذَا شَاءَ ، وَيَسْكُتُ إذَا شَاءَ ، كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَأْتِي فِي ظُلَلٍ مِنْ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةِ ، كَمَا قَالَ : { وَجَاءَ رَبُّك وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً } . وَقَالَ : { هَلْ يَنْظُرُونَ إلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّك أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ