وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَجْرُورُ بِهَا صِفَةً وَلَمْ يُذْكَرْ لَهَا مَحَلٌّ كَانَ صِفَةً لِلَّهِ كَقَوْلِهِ : { وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي } ، وَلِذَلِكَ قَدْ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْقُرْآنِ نَزَلَ مِنْهُ ، وَأَنَّهُ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ مِنْهُ ، رَدَّ عَلَى هَذَا الْمُبْتَدِعِ الْمُفْتَرِي وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ يَقُولُ إنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ مِنْهُ ، قَالَ تَعَالَى : { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إلَيْكُمْ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَاَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّك بِالْحَقِّ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّك بِالْحَقِّ } .
وَرُوحُ الْقُدُسِ هُوَ جِبْرِيلُ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِك } وَقَالَ : { مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِك بِإِذْنِ اللَّهِ } ، وَقَالَ هُنَا : { نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّك } ، فَبَيَّنَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَّلَهُ مِنْ اللَّهِ لَا مِنْ هَوَاهُ وَلَا مِنْ لَوْحٍ وَلَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ .
وَكَذَلِكَ سَائِرُ آيَاتِ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ : { تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } .
وَقَوْلِهِ : { حم ، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } ، وَقَوْلِهِ : { حم ، تَنْزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ، وَقَوْلِهِ : { ألم ، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وَقَوْلِهِ : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبِّك } .
فَقَدْ بَيَّنَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ اللَّهِ ، فَمَنْ قَالَ إنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ بَعْضِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 40
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٠