تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
مُسَيْلِمَةَ : " وَيْحَكُمْ أَيْنَ يَذْهَبُ بِعُقُولِكُمْ ، إنَّ هَذَا كَلَامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ آنٍ " ، أَيْ مِنْ رَبٍّ . وَلَيْسَ مَعْنَى قَوْلِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ إنَّهُ مِنْهُ خَرَجَ وَمِنْهُ بَدَأَ : أَنَّهُ فَارَقَ ذَاتَه وَحَلَّ بِغَيْرِهِ ، فَإِنَّ كَلَامَ الْمَخْلُوقِ إذَا تَكَلَّمَ بِهِ لَا يُفَارِقُ ذَاتَه وَيَحِلُّ بِغَيْرِهِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ كَلَامَ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى : { كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلَّا كَذِباً } فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْكَلِمَةَ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ تُفَارِقْ ذَاتَهمْ . وَأَيْضاً فَالصِّفَةُ لَا تُفَارِقُ الْمَوْصُوفَ وَتَحِلُّ بِغَيْرِهِ ، لَا صِفَةُ الْخَالِقِ وَلَا صِفَةُ الْمَخْلُوقِ ، وَالنَّاسُ إذَا سَمِعُوا كَلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ بَلَّغُوهُ عَنْهُ ، كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي بَلَّغُوهُ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ بَلَّغُوهُ بِحَرَكَاتِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ ، فَالْقُرْآنُ أَوْلَى بِذَلِكَ فَالْكَلَامُ كَلَامُ الْبَارِي ، وَالصَّوْتُ صَوْتُ الْقَارِئِ ، قَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَك فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ } . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ } . وَلَكِنَّ مَقْصُودَ السَّلَفِ الرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ الْجَهْمِيَّةِ ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِهِ فَيَكُونُ قَدْ ابْتَدَأَ وَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ الَّذِي خَلَقَ فِيهِ لَا مِنْ اللَّهِ ، كَمَا يَقُولُونَ كَلَامُهُ لِمُوسَى خَرَجَ مِنْ الشَّجَرَةِ ، فَبَيَّنَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ أَنَّ الْقُرْآنَ مِنْ اللَّهِ بَدَأَ وَخَرَجَ ، وَذَكَرُوا قَوْلَهُ : { وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي } . فَأَخْبَرَ أَنَّ الْقَوْلَ مِنْهُ لَا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ ، " وَمِنْ " هِيَ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ ، فَإِنْ كَانَ الْمَجْرُورُ بِهَا عَيْناً يَقُومُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ صِفَةً لِلَّهِ كَقَوْلِهِ : { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ } ، وَقَوْلُهُ فِي الْمَسِيحِ رُوحٌ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ مَا يَقُومُ بِالْأَعْيَانِ كَقَوْلِهِ : { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ } .