تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
لَا يَتَعَيَّنُ وَلَا يَتَخَصَّصُ . فَكَانَ قَوْلُ هَؤُلَاءِ مُضَاهِياً لِقَوْلِ الْمُتَفَلْسِفَةِ الدَّهْرِيَّةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ وُجُودَ الرَّبِّ وُجُوداً مُطْلَقاً بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ لَا صِفَةَ لَهُ ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُطْلَقَ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي الذِّهْنِ . وَهَؤُلَاءِ الدَّهْرِيَّةُ يُنْكِرُونَ أَيْضاً حَقِيقَةَ تَكْلِيمِهِ لِمُوسَى ، وَيَقُولُونَ إنَّمَا هُوَ فَيْضٌ فَاضَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَقْلِ الْفَعَّالِ . وَهَكَذَا يَقُولُونَ فِي الْوَحْيِ إلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ . وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ : إنَّ الْقُرْآنَ قَوْلُ الْبَشَرِ ، لَكِنَّهُ صَدَرَ عَنْ نَفْسٍ صَافِيَةٍ شَرِيفَةٍ ، وَإِذَا كَانَ الْمُعْتَزِلَةُ خَيْراً مِنْ هَؤُلَاءِ ، وَقَدْ كَفَّرَ السَّلَفُ مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِهِمْ ، فَكَيْفَ هَؤُلَاءِ ؟ وَكَلَامُ السَّلَفِ وَالْأُمَّةِ فِي مِثْلِ هَؤُلَاءِ لَا يُحْصَى ، قَالَ حَرْبُ بْنُ إسْمَاعِيلُ الْكَرْمَانِيُّ : سَمِعْت إِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ يَقُولُ : لَيْسَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتِلَافٌ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ . وَكَيْفَ يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ الرَّبِّ عَزَّ ذِكْرُهُ مَخْلُوقاً . وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا لَزِمَهُمْ أَنْ يَقُولُوا عِلْمُ اللَّهِ وَقُدْرَتُهُ وَمَشِيئَتُهُ مَخْلُوقَةٌ . فَإِنْ قَالُوا ذَلِكَ لَزِمَهُمْ أَنْ يَقُولُوا كَانَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَلَا عِلْمَ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا مَشِيئَةَ . وَهُوَ الْكُفْرُ الْمَحْضُ الْوَاضِحُ . لَمْ يَزَلْ اللَّهُ عَالِماً مُتَكَلِّماً لَهُ الْمَشِيئَةُ وَالْقُدْرَةُ فِي خَلْقِهِ . وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ . فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ كَافِرٌ . وَقَالَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ : مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ شَيْئاً مِنْ اللَّهِ مَخْلُوقٌ . فَقِيلَ لَهُ مِنْ أَيْنَ قُلْت هَذَا ؟ قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي } وَلَا يَكُونُ مِنْ اللَّهِ شَيْءٌ مَخْلُوقٌ . وَهَذَا الْقَوْلُ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : كَلَامُ اللَّهِ مِنْ اللَّهِ . لَيْسَ بِبَائِنٍ مِنْهُ . وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ السَّلَفِ : الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ مِنْهُ بَدَأَ وَمِنْهُ خَرَجَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ . كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّكُمْ لَنْ تَرْجِعُوا إلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِمَّا خَرَجَ مِنْهُ } . يَعْنِي الْقُرْآنَ ، وَقَدْ رُوِيَ أَيْضاً عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعاً . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ لَمَّا سَمِعَ قُرْآنَ