تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
يُسَمَّى بِهَا مَنْ قَامَ بِهِ مُسَمَّى الْمَصْدَرِ ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى بِالْحَيِّ مَنْ قَامَتْ بِهِ الْحَيَاةُ ، وَبِالْمُتَحَرِّكِ مَنْ قَامَتْ بِهِ الْحَرَكَةُ ، وَبِالْعَالِمِ مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ ، وَبِالْقَادِرِ مَنْ قَامَتْ بِهِ الْقُدْرَةُ . فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ مُسَمَّى الْمَصْدَرِ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يُسَمَّى بِاسْمِ الْفَاعِلِ وَنَحْوِهِ مِنْ الصِّفَاتِ ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالِاعْتِبَارِ فِي جَمِيعِ النَّظَائِرِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ وَنَحْوَهُ مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ هُوَ مُرَكَّبٌ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَعَلَى الصِّفَةِ ، وَالْمُرَكَّبُ يَمْتَنِعُ تَحَقُّقُهُ بِدُونِ تَحَقُّقِ مُفْرَدَاتِهِ . وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ ، مِثْلُ تَكَلَّمَ وَكَلَّمَ وَيَتَكَلَّمُ وَيُكَلِّمُ ، وَعَلِمَ وَيَعْلَمُ ، وَسَمِعَ وَيَسْمَعُ ، وَرَأَى وَيَرَى ، وَنَحْوِ ذَلِكَ سَوَاءٌ قِيلَ إنَّ الْفِعْلَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمَصْدَرِ أَوْ الْمَصْدَرَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْفِعْلِ ، لَا نِزَاعَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ فَاعِلَ الْفِعْلِ هُوَ فَاعِلُ الْمَصْدَرِ ، فَإِذَا قِيلَ كَلَّمَ وَعَلِمَ أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ تَعَلَّمَ ، فَفَاعِلُ التَّكْلِيمِ وَالتَّعْلِيمِ هُوَ الْمُكَلِّمُ وَالْمُعَلِّمُ ، وَكَذَلِكَ التَّعَلُّمُ وَالتَّكَلُّمُ ، وَالْفَاعِلُ هُوَ الَّذِي قَامَ بِهِ الْمَصْدَرُ الَّذِي هُوَ التَّكْلِيمُ وَالتَّعْلِيمُ ، وَالتَّكَلُّمُ وَالتَّعَلُّمُ ، فَإِذَا قِيلَ تَكَلَّمَ فُلَانٌ ، أَوْ كَلَّمَ فُلَانٌ فُلَاناً فَفُلَانٌ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ وَالْمُكَلِّمُ . فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً } ، وَقَوْلُهُ : { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهَ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } وَقَوْلُهُ : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُكَلِّمُ ، فَكَمَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ : هُوَ مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ قَائِمٍ بِغَيْرِهِ ، يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ كَلَّمَ بِكَلَامٍ قَائِمٍ بِغَيْرِهِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ يَلْزَمُ الْجَهْمِيَّةَ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنْ يَكُونَ كُلُّ كَلَامٍ خَلَقَهُ اللَّهُ كَلَاماً لَهُ ، إذْ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْقُرْآنِ كَلَامَ اللَّهِ إلَّا كَوْنُهُ خَلَقَهُ ، وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ كَلَاماً وَلَوْ فِي غَيْرِهِ كَانَ مُتَكَلِّماً بِهِ عِنْدَهُمْ ، وَلَيْسَ لِلْكَلَامِ عِنْدَهُمْ مَدْلُولٌ يَقُومُ بِذَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى لَوْ كَانَ مَدْلُولٌ قَائِمٌ يَدُلُّ لِكَوْنِهِ خَلَقَ صَوْتاً فِي مَحَلٍّ ، وَالدَّلِيلُ يَجِبُ طَرْدُهُ . فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ صَوْتٍ بِخَلْقِهِ لَهُ لِذَلِكَ ، وَهُمْ يُجَوِّزُونَ أَنْ يَكُونَ الصَّوْتُ الْمَخْلُوقُ عَلَى جَمِيعِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 36 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا