تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
وَهَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ الْجَمِيعَ كَلَامَ اللَّهِ ، وَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، وَلِهَذَا كَانَ قَدْ حَصَلَ اتِّصَالٌ بَيْنَ شَيْخِ الْجَهْمِيَّةِ الْحُلُولِيَّةِ ، وَشَيْخِ الْمُشَبِّهَةِ الْحُلُولِيَّةِ ، وَبِسَبَبِ هَذِهِ الْبِدَعِ وَأَمْثَالِهَا مِنْ النَّكِرَاتِ الْمُخَالِفَةِ لِدِينِ الْإِسْلَامِ ، سَلَّطَ اللَّهُ أَعْدَاءَ الدِّينِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ، الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } . وَأَيُّ مَعْرُوفٍ أَعْظَمُ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ ؟ وَأَيُّ مُنْكَرٍ أَعْظَمُ مِنْ الْإِلْحَادِ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ ؟ الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنْ يُقَالَ لِهَؤُلَاءِ الضَّالِّينَ : مَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ ، فَإِنَّمَا يَعُودُ حُكْمُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ ، لَا عَلَى غَيْرِهِ ، فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ فِي بَعْضِ الْأَجْسَامِ حَرَكَةً أَوْ طَعْماً أَوْ لَوْناً أَوْ رِيحاً ، كَانَ ذَلِكَ الْجِسْمُ هُوَ الْمُتَحَرِّكُ الْمُتَلَوِّنُ الْمُتَرَوِّحُ الْمَطْعُومُ ، وَإِذَا خَلَقَ بِمَحَلٍّ حَيَاةً أَوْ عِلْماً أَوْ قُدْرَةً أَوْ إرَادَةً أَوْ كَلَاماً ، كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ هُوَ الْحَيُّ الْعَالِمُ الْقَادِرُ الْمُرِيدُ الْمُتَكَلِّمُ ، فَإِذَا خَلَقَ كَلَاماً فِي الشَّجَرَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْأَجْسَامِ ؛ كَانَ ذَلِكَ الْجِسْمُ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ الْكَلَامِ ، كَمَا لَوْ خَلَقَ فِيهِ إرَادَةً وَحَيَاةً أَوْ عِلْماً ، وَلَا يَكُونُ اللَّهُ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ بِهِ ؛ كَمَا أَنَّهُ إذَا خَلَقَ فِيهِ حَيَاةً أَوْ قُدْرَةً أَوْ سَمْعاً أَوْ بَصَراً فَإِنَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ هُوَ الْحَيُّ بِهِ وَالْقَادِرُ بِهِ وَالسَّمِيعُ بِهِ ؛ وَالْبَصِيرُ بِهِ ؛ فَكَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفاً بِمَا خَلَقَهُ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَشْرُوطَةِ بِالْحَيَاةِ وَغَيْرِ الْمَشْرُوطَةِ بِالْحَيَاةِ ، فَلَا يَكُونُ هُوَ الْمُتَحَرِّكُ بِمَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْحَرَكَاتِ وَلَا الْمُصَوِّتُ بِمَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَصْوَاتِ ، وَلَا سَمْعُهُ وَلَا بَصَرُهُ وَقُدْرَتُهُ مَا خَلَقَهُ فِي غَيْرِهِ مِنْ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْقُدْرَةِ ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ كَلَامُهُ مَا خَلَقَهُ مَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ ، وَلَا يَكُونُ مُتَكَلِّماً بِذَلِكَ الْكَلَامِ . الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ الِاسْمَ الْمُشْتَقَّ مِنْ مَعْنًى لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، فَإِنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ وَاسْمَ الْمَفْعُولِ وَالصِّفَةَ الْمُشَبَّهَةَ وَأَفْعَالَ التَّفْضِيلِ يَمْنَعُ ثُبُوتَ مَعْنَاهَا دُونَ ثُبُوتِ مَعْنَى الْمَصْدَرِ الَّتِي هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْهُ ، وَالنَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَحَرِّكٌ وَلَا مُتَكَلِّمٌ إلَّا بِحَرَكَةٍ وَكَلَامٍ ، فَلَا يَكُونُ مُرِيدٌ إلَّا بِإِرَادَةٍ . وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ عَالِمٌ إلَّا بِعِلْمٍ ، وَلَا قَادِرٌ إلَّا بِقُدْرَةٍ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، ثُمَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْمُشْتَقَّةُ مِنْ الْمَصْدَرِ إنَّمَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 35 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا