تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
1004 - 25 - وَسُئِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ : عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ ، وَكَتَبَ الصَّدَاقَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ إنَّ الزَّوْجَ مَرِضَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَحِينَ قَوِيَ عَلَيْهِ الْمَرَضُ فَقَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ طَلَّقَ الزَّوْجَةَ ؛ لِيَمْنَعَهَا مِنْ الْمِيرَاثِ : فَهَلْ يَقَعُ هَذَا الطَّلَاقُ ؟ وَمَا الَّذِي يَجِبُ لَهَا فِي تَرِكَتِهِ ؟ فَأَجَابَ : هَذِهِ الْمُطَلَّقَةُ إنْ كَانَتْ مُطَلَّقَةً طَلَاقاً رَجْعِيّاً ، وَمَاتَ زَوْجُهَا ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَرِثَتْهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِناً كَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثاً ؛ وَرِثَتْهُ أَيْضاً عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَبِهِ قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا طَلَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ زَوْجَتَهُ بِنْتَ الْأَصْبَغِ الْكَلْبِيَّةَ طَلَّقَهَا ثَلَاثاً . فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، فَشَاوَرَ عُثْمَانُ الصَّحَابَةَ فَأَشَارُوا عَلَى أَنَّهَا تَرِثُ مِنْهُ ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ . وَإِنَّمَا ظَهَرَ الْخِلَافُ فِي خِلَافَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : لَوْ كُنْت أَنَا لَمْ أُوَرِّثْهَا ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ . وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ أَئِمَّةُ التَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ : كَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَالِكٍ ، وَأَصْحَابِهِ ، وَمَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ : كَأَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ، وَأَمْثَالِهِ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ . وَفِي الْجَدِيدِ وَافَقَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَاقِعٌ بِحَيْثُ لَوْ مَاتَتْ هِيَ لَمْ يَرِثْهَا هُوَ بِالِاتِّفَاقِ ، فَكَذَلِكَ لَا تَرِثُهُ هِيَ ، وَلِأَنَّهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ . فَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا ، وَلَا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا ، فَتَكُونُ أَجْنَبِيَّةً ، فَلَا تَرِثُ . وَالْجُمْهُورُ قَالُوا : إنَّ الْمَرِيضَ مَرَضَ الْمَوْتِ قَدْ تَعَلَّقَ الْوَرَثَةُ بِمَالِهِ مِنْ حِينِ الْمَرَضِ ؛ وَصَارَ مَحْجُوراً عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ ، فَلَا يَتَصَرَّفُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ إلَّا مَا يَتَصَرَّفُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ؛ فَلَيْسَ لَهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَنْ يَحْرِمَ بَعْضَ الْوَرَثَةِ مِيرَاثَهُ ، وَيَخُصَّ بَعْضَهُمْ بِالْإِرْثِ ، كَمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ لِأَجْنَبِيٍّ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ؛ كَمَا لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَفِي الْحَدِيثِ : { مَنْ قَطَعَ مِيرَاثاً قَطَعَ اللَّهُ مِيرَاثَهُ مِنْ الْجَنَّةِ } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 403 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا