تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
وَهَذَا يَجُوزُ إذَا كَانَ فِيهِ مِنْ التَّنْكِيلِ عَلَى الْجَرِيمَةِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ مَا شَرَعَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا فِي إتْلَافِ النَّفْسِ وَالطَّرَفِ ، وَكَمَا أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ يَحْرُمُ إلَّا بِنَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ } . وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } . فَكَذَلِكَ إتْلَافُ الْمَالِ ، إنَّمَا يُبَاحُ قِصَاصاً ، أَوْ لِإِفْسَادِ مَالِكِهِ كَمَا أَبَحْنَا مِنْ إتْلَافِ الْبِنَاءِ ، وَالْغِرَاسِ الَّذِي لِأَهْلِ الْحَرْبِ ، مِثْلَ مَا يَفْعَلُونَ بِنَا بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَجَوَّزْنَا لِإِفْسَادِ مَالِكِهِ مَا جَوَّزْنَا ، وَلِهَذَا لَمْ أَعْلَمْ أَحَداً مِنْ النَّاسِ قَالَ إنَّ الْأَمْوَالَ الْمُحْتَرَمَةَ الْمَجْهُولَةَ الْمَالِكِ تَتْلَفُ . وَإِنَّمَا يُحْكَى بَعْضُ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الْغَالِطِينَ مِنْ الْمُتَوَرِّعَةِ أَنَّهُ أَلْقَى شَيْئاً مِنْ مَالِهِ فِي الْبَحْرِ أَوْ أَنَّهُ تَرَكَهُ فِي الْبَرِّ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَهَؤُلَاءِ تَجِدُ مِنْهُمْ حُسْنَ الْقَصْدِ ، وَصِدْقَ الْوَرَعِ ، لَا صَوَابَ الْعَمَلِ . وَأَمَّا حَبْسُهَا دَائِماً أَبَداً إلَى غَيْرِ غَايَةٍ مُنْتَظَرَةٍ ، بَلْ مَعَ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يُرْجَى مَعْرِفَةُ صَاحِبِهَا وَلَا الْقُدْرَةُ عَلَى إيصَالِهَا إلَيْهِ ، فَهَذَا مِثْلُ إتْلَافِهَا ، فَإِنَّ الْإِتْلَافَ إنَّمَا حَرُمَ لِتَعْطِيلِهَا عَنْ انْتِفَاعِ الْآدَمِيِّينَ بِهَا ، وَهَذَا تَعْطِيلٌ أَيْضاً بَلْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلنُّفُوسِ بِإِبْقَاءِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ انْتِفَاعٍ بِهِ . الثَّانِي : أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ الظَّلَمَةِ بَعْدَ هَذَا إذَا لَمْ يُنْفِقْهَا أَهْلُ الْعَدْلِ وَالْحَقِّ ، فَيَكُونُ حَبْسُهَا إعَانَةً لِلظَّلَمَةِ وَتَسْلِيماً فِي الْحَقِيقَةِ إلَى الظَّلَمَةِ ، فَيَكُونُ قَدْ مَنَعَهَا أَهْلَ الْحَقِّ ، وَأَعْطَاهَا أَهْلَ الْبَاطِلِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَصْدِ وَعَدَمِهِ فِي هَذَا ، فَإِنَّ مَنْ وَضَعَ إنْسَاناً بِمَسْبَعَةٍ فَقَدْ قَتَلَهُ ، وَمَنْ أَلْقَى اللَّحْمَ بَيْنَ السِّبَاعِ فَقَدْ أَكَلَهُ ، وَمَنْ حَبَسَ الْأَمْوَالَ الْعَظِيمَةَ لِمَنْ يَسْتَوْلِي عَلَيْهَا مِنْ الظَّلَمَةِ فَقَدْ أَعْطَاهُمُوهَا . فَإِذَا كَانَ إتْلَافُهَا حَرَاماً وَحَبْسُهَا أَشَدُّ مِنْ إتْلَافِهَا تَعَيَّنَ إنْفَاقُهَا ، وَلَيْسَ لَهَا مَصْرِفٌ مُعَيَّنٌ ، فَتُصْرَفُ فِي جَمِيعِ جِهَاتِ الْبِرِّ وَالْقُرَبِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللَّهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ