تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
قَطْعِيَّانِ ، كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، فَإِنَّ مَا لَا يُعْلَمُ أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بِحَالٍ هُوَ فِي حَقِّنَا بِمَنْزِلَةِ الْمَعْدُومِ ، فَلَا نُكَلَّفُ إلَّا بِمَا نَعْلَمُهُ وَنَقْدِرُ عَلَيْهِ . وَكَمَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي حَقِّنَا بَيْنَ فِعْلٍ لَمْ نُؤْمَرْ بِهِ ، وَبَيْنَ فِعْلٍ أُمِرْنَا بِهِ جُمْلَةً عِنْدَ فَوْتِ الْعِلْمِ أَوْ الْقُدْرَةِ ، كَمَا فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ وَالْعَاجِزِ ، كَذَلِكَ لَا فَرْقَ فِي حَقِّنَا بَيْنَ مَالٍ لَا مَالِكَ لَهُ أُمِرْنَا بِإِيصَالِهِ إلَيْهِ ، وَبَيْنَ مَا أُمِرْنَا بِإِيصَالِهِ إلَى مَالِكِهِ جُمْلَةً إذَا فَاتَ الْعِلْمُ بِهِ أَوْ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ ، وَالْأَمْوَالُ كَالْأَعْمَالِ سَوَاءٌ . وَهَذَا النَّوْعُ إنَّمَا حَرُمَ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ ، فَإِذَا كَانَ الْغَيْرُ مَعْدُوماً أَوْ مَجْهُولاً بِالْكُلِّيَّةِ ، أَوْ مَعْجُوزاً عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ : يَسْقُطُ حَقُّ تَعَلُّقِهِ بِهِ مُطْلَقاً ، كَمَا يَسْقُطُ حَقُّ تَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهِ إذَا رُجِيَ الْعِلْمُ بِهِ أَوْ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ ، إلَى حِينِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ كَمَا فِي اللُّقَطَةِ سَوَاءٌ ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا ، وَإِلَّا فَهِيَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } . فَإِنَّهُ لَوْ عُدِمَ الْمَالِكُ انْتَقَلَ الْمِلْكُ عَنْهُ بِالِاتِّفَاقِ ، فَكَذَلِكَ إذَا عُدِمَ الْعِلْمُ بِهِ إعْدَاماً مُسْتَقِرّاً ، وَإِذَا عَجَزَ عَنْ الْإِيصَالِ إلَيْهِ إعْجَازاً مُسْتَقِرّاً ، فَالْإِعْدَامُ ظَاهِرٌ ، وَالْإِعْجَازُ مِثْلُ الْأَمْوَالِ الَّتِي قَبَضَهَا الْمُلُوكُ : كَالْمُكُوسِ ، وَغَيْرِهَا مِنْ أَصْحَابِهَا ، وَقَدْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُنَا إعَادَتُهَا إلَى أَصْحَابِهَا ، فَإِنْفَاقُهَا فِي مَصَالِحِ أَصْحَابِهَا مِنْ الْجِهَادِ عَنْهُمْ أَوْلَى مِنْ إبْقَائِهَا بِأَيْدِي الظَّلَمَةِ يَأْكُلُونَهَا ، وَإِذَا أُنْفِقَتْ كَانَتْ لِمَنْ يَأْخُذُهَا بِالْحَقِّ مُبَاحَةً ، كَمَا أَنَّهَا عَلَى مَنْ يَأْكُلُهَا بِالْبَاطِلِ مُحَرَّمَةٌ . وَالدَّلِيلُ الثَّانِي : الْقِيَاسُ ، مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، أَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ لَا تَخْلُو : إمَّا أَنْ تُحْبَسَ ، وَإِمَّا أَنْ تَتْلَفَ ، وَإِمَّا أَنْ تُنْفَقَ . فَأَمَّا إتْلَافُهَا فَإِفْسَادٌ ، وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ، وَهُوَ إضَاعَةٌ لَهَا ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ ، وَإِنْ كَانَ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَمَالِكٍ : تَجُوزُ الْعُقُوبَاتُ الْمَالِيَّةُ تَارَةً بِالْأَخْذِ ، وَتَارَةً بِالْإِتْلَافِ كَمَا يَقُولُهُ أَحْمَدُ فِي مَتَاعِ الْفَسَادِ ، وَكَمَا يَقُولُهُ أَحْمَدُ وَمَنْ يَقُولُهُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فِي أَوْعِيَةِ الْخَمْرِ ، وَمَحِلِّ الْخَمَّارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ بِإِتْلَافِ بَعْضِ الْأَمْوَالِ أَحْيَانَا كَالْعُقُوبَةِ بِإِتْلَافِ بَعْضِ النُّفُوسِ أَحْيَاناً .