وَإِذَا سَأَلَ الْإِمَامُ حَاكِماً عَنْ اسْتِحْقَاقِ مَنْ ذُكِرَ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ ، وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ إلَّا الْأَعْمَى وَالْمُكَسَّحُ وَالزَّمِنُ لَا غَيْرُ ، وَأَضْرَبَ عَمَّا سِوَاهُمْ مِنْ غَيْرِ اطِّلَاعٍ عَلَى حَقِيقَةِ أَحْوَالِهِمْ ، هَلْ يَكُونُ بِذَلِكَ آثِماً عَاصِياً أَمْ لَا ؟ وَمَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، وَإِذَا سَأَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ الزَّوَايَا وَالرُّبُطِ هَلْ يَسْتَحِقُّ مَنْ هُوَ بِهَا مَا هُوَ مُرَتَّبٌ لَهُمْ ، فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذِهِ الزَّوَايَا وَالرُّبُطَ دَكَاكِينُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِيهِمْ الصُّلَحَاءَ وَالْعُلَمَاءَ ، وَحَمَلَةَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ ، وَالْمُنْقَطِعِينَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى هَلْ يَكُونُ مُؤْذِياً لَهُمْ بِذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَمَا حُكْمُ هَذَا الْقَوْلِ الْمُطْلَقِ فِيهِمْ مَعَ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ بِجَمِيعِهِمْ .
وَالِاضْطِلَاعِ عَلَى حَقِيقَةِ أَحْوَالِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ ، إذَا تَبَيَّنَ سُقُوطُهُ وَبُطْلَانُهُ هَلْ تَسْقُطُ بِذَلِكَ رِوَايَتُهُ وَمَا عَدَاهَا مِنْ أَخْبَارِهِ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ لِلْمُقْذِفِينَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِهَذَا الطَّعْنِ ، عَلَيْهِمْ الْمُؤَدِّي عِنْدَ الْمُلُوكِ إلَى قَطْعِ أَرْزَاقِهِمْ وَأَنْ يُكَلِّفُوهُ إثْبَاتَ ذَلِكَ وَإِذَا عَجَزَ عَنْ إثْبَاتِهِ ، فَهَلْ لَهُمْ مُطَالَبَتُهُ بِمُقَاضَاةٍ أَمْ لَا ؟ وَإِذَا عَجَزَ عَنْ ثُبُوتِ ذَلِكَ ، هَلْ يَكُونُ قَادِحاً فِي عَدَالَتِهِ وَجَرْحِهِ يَنْعَزِلُ بِهِمَا عَنْ الْمَنَاصِبِ الدِّينِيَّةِ أَمْ لَا ؟ وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ لِهَذِهِ الطَّائِفَةِ وَهُمْ لَهُ فِي غَايَةِ الْكَرَاهَةِ ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّ بِهِمْ ، وَقَدْ جَاءَ { لَا يَؤُمَّ الرَّجُلُ قَوْماً أَكْثَرُهُمْ لَهُ كَارِهُونَ } ؟
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ : هَذِهِ الْمَسَائِلُ تَحْتَاجُ إلَى تَقْرِيرِ أَصْلٍ جَامِعٍ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ ، مَبْنِيٍّ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي يَسُنُّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُلَاةُ الْأَمْرِ بَعْدَهُ أَشْيَاءَ ، الْأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ ، وَاسْتِعْمَالٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ ، وَقُوَّةٌ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، لَيْسَ لِأَحَدٍ تَغْيِيرُهَا وَلَا النَّظَرُ فِي رَأْيِ مَنْ خَالَفَهَا ، وَمَنْ اهْتَدَى بِهَا فَهُوَ مُهْتَدٍ ، وَمَنْ اسْتَنْصَرَ بِهَا فَهُوَ مَنْصُورٌ ، وَمَنْ خَالَفَهَا وَاتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى وَأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً .
وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُوصِيكُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافاً كَثِيراً فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي ، تَمَسَّكُوا
الفتاوى الكبرى — صفحة 215
مساهمون: ابن تيمية
ص٢١٥