تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعاً ، أَوْ هِبَةً ، أَوْ إجَارَةً فَهُوَ كَذَلِكَ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْمَشْهُورُ : اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ إلَّا فِي مَوَاضِعَ مُسْتَثْنَاةٍ ، وَحَيْثُ كَانَ ذَلِكَ بِالصِّيغَةِ فَلَيْسَ لِذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ صِيغَةٌ مَحْدُودَةٌ فِي الشَّرْعِ ، بَلْ الْمَرْجِعُ فِي الصِّيغَةِ الْمُقَيِّدَةِ لِذَلِكَ إلَى عُرْفِ الْخِطَابِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ . وَلِذَلِكَ صَحَّحُوا الْهِبَةَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ : أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ ، وَأَطْعَمْتُك هَذَا الطَّعَامَ ، وَحَمَلْتُك عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، مِمَّا يَفْهَمُ مِنْهُ أَهْلُ الْخِطَابِ بِهِ الْهِبَةَ ، وَتَجْهِيزُ الْمَرْأَةِ بِجِهَازِهَا إلَى بَيْتِ زَوْجِهَا تَمْلِيكٌ كَمَا أَفْتَى بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَغَيْرُهُمَا ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ وَالْعَطِيَّةَ مُطْلَقاً فِي كِتَابِهِ ، لَيْسَ لَهَا حَدٌّ فِي اللُّغَةِ وَلَا الشَّرْعِ ، فَيَرْجِعُ فِيهَا إلَى الْعُرْفِ وَالْمَقْصُودُ بِالْخِطَابِ إفْهَامُ الْمَعَانِي ، فَأَيُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَقْصُودُ الْعَقْدِ انْعَقَدَ بِهِ ، وَعَلَى هَذَا قَاعِدَةُ النَّاسِ إذَا اشْتَرَى أَحَدُهُمْ لِابْنِهِ أَمَةً ، وَقَالَ : خُذْهَا لَك اسْتَمْتِعْ بِهَا ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، كَانَ هَذَا تَمْلِيكاً عِنْدَهُمْ . وَأَيْضاً فَمَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمَةَ لَا تُوطَأُ إلَّا بِمِلْكٍ ، إذَا أَذِنَ لِابْنِهِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا لَا يَكُونُ مَقْصُودُهُ إلَّا تَمْلِيكَهَا ، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَصَلَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّمْلِيكِ عَلَى قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيْهِمْ كَانَ الِابْنُ وَاطِئاً فِي مِلْكِهِ ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَاحِقُ النَّسَبِ ، وَالْأَمَةُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ ، وَأَمَّا إنْ قُدِّرَ أَنَّ الْأَبَ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ تَمْلِيكٌ بِحَالٍ ، وَاعْتَقَدَ الِابْنُ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَهَا كَانَ وَلَدُهُ أَيْضاً حُرّاً ، أَوْ نَسَبُهُ لَاحِقٌ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ، وَإِنْ اعْتَقَدَ الِابْنُ أَيْضاً أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا وَلَكِنْ وَطِئَهَا بِالْإِذْنِ ، فَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْأَصْلِ الثَّانِي . فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ ، قَالَ مَالِكٌ : يَمْلِكُهَا بِالْقِيمَةِ ، حَمَلَتْ أَوْ لَمْ تَحْمِلْ ، وَقَالَ الثَّلَاثَةُ : لَا يَمْلِكُهَا بِذَلِكَ ، فَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ هِيَ أَيْضاً مِلْكٌ لِلْوَالِدِ ، وَأُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَوَلَدُهُ حُرٌّ ، وَعَلَى قَوْلِ الثَّلَاثَةِ : الْأَمَةُ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ ، وَلَكِنَّ الْوَلَدَ هَلْ يَصِيرُ حُرّاً مِثْلَ أَنْ يَطَأَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : لَا يَكُونُ حُرّاً ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهَا حَلَالٌ لَهُ . وَالثَّانِي : أَنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ حُرّاً ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ إذَا ظَنَّ الْوَاطِئُ أَنَّهَا حَلَالٌ ، فَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمُرْتَهِنِ ، فَإِذَا وَطِئَ الْأَمَةَ الْمَرْهُونَةَ بِإِذْنِ