تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً ، وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً ، وَلَا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً ، يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ، هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } إلَى آخِرِ الْآيَاتِ ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْماً يُقَالُ لَهُمْ بَنُو أُبَيْرِقٍ سَرَقُوا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ طَعَاماً وَدِرْعَيْنِ ، فَجَاءَ صَاحِبُ الْمَالِ يَشْتَكِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ قَوْمٌ يُزَكُّونَ الْمُتَّهَمِينَ بِالْبَاطِلِ ؛ فَكَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَنَّ صِدْقَ الْمُزَكِّينَ فَلَامَ صَاحِبَ الْمَالِ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَلَمْ يَقُلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَاحِبِ الْمَالِ : أَقِمْ الْبَيِّنَةَ ؛ وَلَا حَلَّفَ الْمُتَّهَمِينَ ؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ الْمُتَّهَمِينَ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِالشَّرِّ ، وَظَهَرَتْ الرِّيبَةُ عَلَيْهِمْ . وَهَكَذَا حُكْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَسَامَةِ فِي الدِّمَاءِ إذَا كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الْمُدَّعِينَ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنْ الْحُدُودِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ ؛ لَيْسَتْ مِنْ الْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ ، فَلَوْلَا الْقَسَامَةُ فِي الدِّمَاءِ لَأَفْضَى إلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ فَيَقْتُلُ الرَّجُلُ عَدُوَّهُ خُفْيَةً ، وَلَا يُمَكِّنُ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ ؛ وَالْيَمِينُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالسَّارِقِ وَالْقَاطِعِ سَهْلَةٌ ، فَإِنَّ مَنْ يَسْتَحِلُّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا يَكْتَرِثُ الْيَمِينَ . وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ ؛ وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ } هَذَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ مِنْ الْمُدَّعِي حُجَّةٌ غَيْرُ الدَّعْوَى فَإِنَّهُ لَا يُعْطَى بِهَا شَيْئاً ، وَلَكِنْ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ . فَأَمَّا إذَا أَقَامَ شَاهِداً بِالْمَالِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَكَمَ فِي الْمَالِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ ، كَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ ، وَإِذَا كَانَ فِي دَعْوَى الدَّمِ لَوْثٌ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُدَّعِينَ : { أَتَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِيناً وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ } ؟ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 523 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا