إلَى مَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَظْلِمُ فِيهَا مَعَ إمْكَانِ أَنْ يُقِيمَ فِيهَا مِنْ الْعُدُولِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ فِي التُّهَمِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ : صِنْفٌ : مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ بِالدِّينِ وَالْوَرَعِ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ .
فَهَذَا لَا يُحْبَسُ ، وَلَا يُضْرَبُ ؛ بَلْ وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ ؛ بَلْ يُؤَدَّبُ مَنْ يَتَّهِمُهُ فِيمَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ .
وَالثَّانِي : مَنْ يَكُونُ مَجْهُولَ الْحَالِ لَا يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلَا فُجُورٍ .
فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَكْشِفَ عَنْ حَالِهِ .
وَقَدْ قِيلَ : يُحْبَسُ شَهْراً .
وَقِيلَ : يُحْبَسُ بِحَسَبِ اجْتِهَادِ وَلِيِّ الْأَمْرِ .
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ } وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ مُدَّعٍ فَإِنَّهُ يَحْضُرُ مَجْلِسَ وَلِيِّ الْأَمْرِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ تَعْوِيقُهُ عَنْ أَشْغَالِهِ ، فَكَذَلِكَ تَعْوِيقُ هَذَا إلَى أَنْ يَعْلَمَ أَمْرَهُ ، ثُمَّ إذَا سَأَلَ عَنْهُ وَوُجِدَ بَارّاً أُطْلِقَ .
وَإِنْ وُجِدَ فَاجِراً كَانَ مِنْ : الصِّنْفِ الثَّالِثِ : وَهُوَ الْفَاجِرُ الَّذِي قَدْ عُرِفَ مِنْهُ السَّرِقَةُ قَبْلَ ذَلِكَ ، أَوْ عُرِفَ بِأَسْبَابِ السَّرِقَةِ : مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفاً بِالْقِمَارِ .
وَالْفَوَاحِشِ الَّتِي لَا تَتَأَتَّى إلَّا بِالْمَالِ ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذَا لَوْثٌ فِي التُّهْمَةِ ؛ وَلِهَذَا قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إنَّ مِثْلَ هَذَا يُمْتَحَنُ بِالضَّرْبِ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي - كَمَا قَالَ أَشْهَبُ صَاحِبُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُ - حَتَّى يُقِرَّ بِالْمَالِ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يَضْرِبُهُ الْوَالِي ؛ دُونَ الْقَاضِي ، كَمَا قَالَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ، كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِيَانِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابَيْهِمَا فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ ، كَمَا ذَكَرَهُ الطَّرَسُوسِيُّ وَغَيْرُهُ .
ثُمَّ الْمُتَوَلِّي لَهُ أَنْ يَقْصِدَ بِضَرْبِهِ مَعَ تَقْرِيرِهِ عُقُوبَتَهُ عَلَى فُجُورِهِ الْمَعْرُوفِ ، فَيَكُونُ تَعْزِيراً وَتَقْرِيراً .
وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَوَلِّي أَنْ يُرْسِلَ جَمِيعَ الْمَتْهُومِينَ حَتَّى يَأْتِيَ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَنْ سَرَقَ ؛ بَلْ قَدْ أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ فِي قِصَّةٍ كَانَتْ تُهْمَةً فِي سَرِقَةٍ قَوْله تَعَالَى : { إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْك الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاك اللَّهُ وَلَا تَكُنْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 522
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٢٢