تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
مَنْ يَحْكُمُ بِقَتْلِهِ لِكَوْنِهِ يُقْتَلُ حَدّاً عِنْدَهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ . وَمَنْ قَالَ : يُقْتَلُ لِزَنْدَقَتِهِ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِمِثْلِ هَذَا الْإِقْرَارِ . وَأَيْضاً فَمَالُ الزِّنْدِيقِ عِنْدَ أَكْثَرِ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا إذَا مَاتُوا وَرِثَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مَعَ الْجَزْمِ بِنِفَاقِهِمْ ؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ وَرِثَهُمْ وَرَثَتُهُمْ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ بِنِفَاقِهِمْ ، وَلَمْ يَتَوَارَثْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرَ مِيرَاثِ مُنَافِقٍ . وَالْمُنَافِقُ هُوَ الزِّنْدِيقُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ . وَأَيْضاً فَحُكْمُ الْحَاكِمِ إذَا نُفِّذَ فِي دَمِهِ الَّذِي قَدْ يَكُونُ فِيهِ نِزَاعٌ نُفِّذَ فِي مَالِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ إذْ لَيْسَ فِي الْأُمَّةِ مَنْ يَقُولُ : يُؤْخَذُ مَالُهُ وَلَا يُبَاحُ دَمُهُ ، فَلَوْ قِيلَ بِهَذَا كَانَ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ ؛ فَإِذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ الْحُكْمُ بِعِصْمَةِ دَمِهِ عَلَى دَعْوَى مِنْ جِهَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ فَمَالُهُ أَوْلَى . وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ بِمَالٍ مِثْلِ هَذَا لِبَيْتِ الْمَالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ مَا يُبِيحُ دَمَهُ : لَا بِبَيِّنَةٍ . وَلَا بِإِقْرَارٍ مُتَعَيِّنٍ ؛ وَلَكِنْ بِإِقْرَارٍ قَصَدَ بِهِ عِصْمَةَ مَالِهِ وَدَمِهِ مِنْ جِنْسِ الدَّعْوَى عَلَى الْخَصْمِ الْمُسَخِّرِ . الثَّانِي : أَنَّ الْحُكْمَ بِعِصْمَةِ دَمِهِ وَمَالِهِ وَاجِبٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ ؛ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ . الثَّالِثُ : أَنَّ الْحُكْمَ صَحِيحٌ بِلَا رَيْبٍ . الرَّابِعُ : أَنَّهُ لَوْ كَانَ حُكْمَ مُجْتَهِدٍ فِيهِ لَزَالَ ذَلِكَ بِتَنْفِيذِ الْمُنَفِّذِ لَهُ . الْخَامِسُ : أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحُكَّامِ مِنْ الْحُكْمِ بِمَالِ هَذَا لِبَيْتِ الْمَالِ وَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ ثُمَّ الْإِسْلَامُ ؛ وَلَوْ كَانَ الْكُفْرُ سَبَباً ؛ فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ ؟ ، أَمْ كَيْفَ إذَا حُكِمَ بِعِصْمَةِ مَالِهِ ؟ ، بَلْ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ الَّذِي يَسْتَنِدُ إلَيْهَا فِي مِثْلِ هَذِهِ مِنْ أَبْعَدِ الْمَذَاهِبِ عَنْ الْحُكْمِ بِمَالِ مِثْلِ هَذَا لِبَيْتِ الْمَالِ ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْإِقْرَارَ عِنْدَهُمْ قَرَارُ تَلْجِئَةٍ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ؛ وَلِمَا عُرِفَ مِنْ مَذْهَبِهِمَا فِي السَّابِّ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .