مُوَاظِبُونَ عَلَى أَدَاءِ مَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِمْ : مِنْ صَوْمٍ ، وَصَلَاةٍ ، وَعِبَادَةٍ .
وَفِيهِمْ كَبِيرُ الْقَدْرِ مَعْرُوفُونَ بِالثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ ؛ لَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ ظَوَاهِرِ السُّوءِ وَالْفُسُوقِ ، وَقَدْ اجْتَمَعَتْ عُقُولُهُمْ وَأَذْهَانُهُمْ وَرَأْيُهُمْ عَلَى أَكْلِ " الْغُبَيْرَاءِ " وَكَانَ قَوْلُهُمْ وَاعْتِقَادُهُمْ فِيهَا أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ وَسَيِّئَةٌ ؛ غَيْرَ أَنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَقُولُونَ فِي اعْتِقَادِهِمْ بِدَلِيلِ كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَهُوَ { إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } وَذَكَرُوا أَيْضاً أَنَّهَا حَرَامٌ ؛ غَيْرَ أَنَّ لَهُمْ وِرْداً بِاللَّيْلِ ، وَتَعَبُّدَاتٍ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا إذَا حَصَلَتْ نَشْوَتُهَا بِرُؤُوسِهِمْ تَأْمُرُهُمْ بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ ، وَلَا تَأْمُرُهُمْ بِسُوءٍ وَلَا فَاحِشَةٍ ، وَنَسَبُوا أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا ضَرَرٌ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَكَلَهَا حَدٌّ مِنْ الْحُدُودِ ؛ إلَّا أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِمُخَالَفَةِ أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَاَللَّهُ يَغْفِرُ مَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ .
وَاجْتَمَعَ بِهِمْ رَجُلٌ صَادِقُ الْقَوْلِ .
وَذَكَرَ عَنْهُمْ ذَلِكَ ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى أَكْلِهَا بِحُكْمِهِمْ عَلَيْهِ ، وَحَدِيثِهِمْ لَهُ ، وَاعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ : فَهَلْ يَجِبُ عَلَى آكِلِهَا حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ أَمْ لَا ؟ أَفْتَوْنَا .
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
نَعَمْ يَجِبُ عَلَى آكِلِهَا حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ .
وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ ضُلَّالٌ جُهَّالٌ عُصَاةٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، وَكَفَى بِرَجُلٍ جَهْلاً أَنْ يَعْرِفَ بِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مُحَرَّمٌ ، وَأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ : إنَّهُ تُطَيِّبُ لَهُ الْعِبَادَةَ ، وَتُصْلِحُ لَهُ وَيْحُ هَذَا الْقَائِلِ ؟ ، أَيَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ عَلَى الْخَلْقِ مَا يَنْفَعُهُمْ ، وَيُصْلِحُ لَهُمْ حَالَهُمْ ؟ ، نَعَمْ قَدْ يَكُونُ فِي الشَّيْءِ مَنْفَعَةٌ وَفِيهِ مَضَرَّةٌ أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَتِهِ فَيُحَرِّمُهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ؛ لِأَنَّ الْمَضَرَّةَ إذَا كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ بَقِيَتْ الزِّيَادَةُ مَضَرَّةً مَحْضَةً ، وَصَارَ هَذَا الرَّجُلُ كَأَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ : خُذْ مِنِّي هَذَا الدِّرْهَمَ وَأَعْطِنِي دِينَاراً ، فَجَهْلُهُ يَقُولُ لَهُ : هُوَ يُعْطِيك دِرْهَماً فَخُذْهُ ، وَالْعَقْلُ يَقُولُ : إنَّمَا يَحْصُلُ الدِّرْهَمُ بِفَوَاتِ الدِّينَارِ ، وَهَذَا ضَرَرٌ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ ؛ بَلْ جَمِيعُ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إنْ ثَبَتَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ضَرَرُهُ أَكْثَرَ .
فَهَذِهِ " الْحَشِيشَةُ الْمَلْعُونَةُ " هِيَ وَآكِلُوهَا وَمُسْتَحِلُّوهَا ، الْمُوجِبَةُ لِسَخَطِ اللَّهِ وَسَخَطِ رَسُولِهِ وَسَخَطِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، الْمُعْرِضَةُ صَاحِبَهَا لِعُقُوبَةِ اللَّهِ ؛ إذَا كَانَتْ كَمَا يَقُولُهُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 430
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٣٠