تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
الضَّالُّونَ : مِنْ أَنَّهَا تَجْمَعُ الْهِمَّةَ ؛ وَتَدْعُو إلَى الْعِبَادَةِ ؛ فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ضَرَرٍ فِي دِينِ الْمَرْءِ وَعَقْلِهِ وَخُلُقِهِ وَطَبْعِهِ أَضْعَافَ مَا فِيهَا مِنْ خَيْرٍ ؛ وَلَا خَيْرَ فِيهَا ؛ وَلَكِنْ هِيَ تُحَلِّلُ الرُّطُوبَاتِ ؛ فَتَتَصَاعَدُ الْأَبْخِرَةُ إلَى الدِّمَاغِ ؛ وَتُورِثُ خَيَالَاتٍ فَاسِدَةً ؛ فَيُهَوِّنُ عَلَى الْمَرْءِ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ عِبَادَةٍ ؛ وَيَشْغَلُهُ بِتِلْكَ التَّخَيُّلَاتِ عَنْ إضْرَارِ النَّاسِ . وَهَذِهِ رِشْوَةُ الشَّيْطَانِ يَرْشُو بِهَا الْمُبْطِلِينَ لِيُطِيعُوهُ فِيهَا . بِمَنْزِلَةِ الْقِصَّةِ الْقَلِيلَةِ فِي الدِّرْهَمِ الْمَغْشُوشِ ؛ وَكُلُّ مَنْفَعَةٍ تَحْصُلُ بِهَذَا السَّبَبِ فَإِنَّهَا تَنْقَلِبُ مَضَرَّةً فِي الْمَآلِ ؛ وَلَا يُبَارَكُ لِصَاحِبِهَا فِيهَا ؛ وَإِنَّمَا هَذَا نَظِيرُ السَّكْرَانِ بِالْخَمْرِ ؛ فَإِنَّهَا تَطِيشُ عَقْلُهُ حَتَّى يَسْخُوَ بِمَالِهِ ؛ وَيَتَشَجَّعُ عَلَى أَقْرَانِهِ ؛ فَيَعْتَقِدُ الْغِرُّ أَنَّهَا أَوْرَثَتْهُ السَّخَاءَ وَالشُّجَاعَةَ وَهُوَ جَاهِلٌ ؛ وَإِنَّمَا أَوْرَثَتْهُ عَدَمَ الْعَقْلِ . وَمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ النَّفْسِ وَالْمَالِ ، فَيَجُودُ بِجَهْلِهِ ؛ لَا عَنْ عَقْلٍ فِيهِ . وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْحَشِيشَةُ الْمُسْكِرَةُ إذَا أَضْعَفَتْ الْعَقْلَ ؛ وَفَتَحَتْ بَابَ الْخَيَالِ : تَبْقَى الْعَادَةُ فِيهَا مِثْلُ الْعِبَادَاتِ فِي الدِّينِ الْبَاطِلِ دِينِ النَّصَارَى ؛ فَإِنَّ الرَّاهِبَ تَجِدُهُ يَجْتَهِدُ فِي أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ لَا يَفْعَلُهَا الْمُسْلِمُ الْحَنِيفُ ؛ فَإِنَّ دِينَهُ بَاطِلٌ ، وَالْبَاطِلُ خَفِيفٌ ، وَلِهَذَا تَجُودُ النُّفُوسُ فِي السَّمَاعِ الْمُحَرَّمِ وَالْعِشْرَةِ الْمُحَرَّمَةِ بِالْأَمْوَالِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ بِمَا لَا تَجُودُ بِهِ فِي الْحَقِّ ؛ وَمَا هَذَا بِاَلَّذِي يُبِيحُ تِلْكَ الْمَحَارِمَ ، أَوْ يَدْعُو الْمُؤْمِنَ إلَى فِعْلِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّ الطَّبْعَ لَمَّا أَخَذَ نَصِيبَهُ مِنْ الْحَظِّ الْمُحَرَّمِ وَلَمْ يُبَالِ بِمَا بَذَلَهُ عِوَضاً عَنْ ذَلِكَ ؛ وَلَيْسَ فِي هَذَا مَنْفَعَةٌ فِي دِينِ الْمَرْءِ وَلَا دُنْيَاهُ ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لَذَّةُ سَاعَةٍ ، بِمَنْزِلَةِ لَذَّةِ الزَّانِي حَالَ الْفِعْلِ ، وَلَذَّةِ شِفَاءِ الْغَضَبِ حَالَ الْقَتْلِ ، وَلَذَّةِ الْخَمْرِ حَالَ النَّشْوَةِ ، ثُمَّ إذَا صَحَا مِنْ ذَلِكَ وَجَدَ عَمَلَهُ بَاطِلاً ، وَذُنُوبَهُ مُحِيطَةً بِهِ ، وَقَدْ نَقَصَ عَلَيْهِ عَقْلُهُ وَدِينُهُ وَخُلُقُهُ . وَأَيْنَ هَؤُلَاءِ الضُّلَّالُ مِمَّا تُورِثُهُ هَذِهِ الْمَلْعُونَةُ مِنْ قِلَّةِ الْغَيْرَةِ ؛ وَزَوَالِ الْحَمِيَّةِ حَتَّى يَصِيرَ آكِلُهَا إمَّا دَيُّوثاً ، وَإِمَّا مَأْبُوناً ؛ وَإِمَّا كِلَاهُمَا . وَتُفْسِدُ الْأَمْزِجَةَ حَتَّى جَعَلَتْ خَلْقاً كَثِيراً مَجَانِينَ وَتَجْعَلُ الْكَبِدَ بِمَنْزِلَةِ السَّفِنْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَجُنَّ مِنْهُمْ فَقَدْ أَعْطَتْهُ نَقْصَ الْعَقْلِ ، وَلَوْ صَحَا مِنْهَا فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي عَقْلِهِ خَبَلٌ : ثُمَّ إنَّ كَثِيرَهَا يُسْكِرُ حَتَّى يَصُدَّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُوجِبُ قُوَّةَ نَفْسِ صَاحِبِهَا حَتَّى . يُضَارِبَ وَيُشَاتِمَ ، فَكَفَى [ بِالرَّجُلِ شَرّاً أَنَّهَا تَصُدُّهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ إذَا سَكِرَ مِنْهَا ، وَقَلِيلُهَا وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَلِيلِ الْخَمْرِ . ثُمَّ إنَّهَا تُورِثُ مِنْ مُهَانَةِ آكِلِهَا ، وَدَنَاءَةِ نَفْسِهِ ، وَانْفِتَاحِ شَهْوَتِهِ : مَا لَا يُورِثُهُ الْخَمْرُ . فَفِيهَا مِنْ الْمَفَاسِدِ مَا لَيْسَ فِي الْخَمْرِ ؛ وَإِنْ كَانَ فِي الْخَمْرِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 431 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا