تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
وَإِذَا قِيلَ : بِالْكَرَاهَةِ . هَلْ تَكُونُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ ؟ أَمْ تَنْزِيهٍ ؟ وَهَلْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي " أَمْ لَا ؟ وَهَلْ صَحَّ فِي فَضْلِ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ ، أَمْ لَا ؟ أَجَابَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . أَمَّا زِيَارَةُ الْقُبُورِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ نَهَى عَنْهَا نَهْياً عَامّاً ، ثُمَّ أَذِنَ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ : { كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا . فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ } وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَ أُمِّي ، فَأَذِنَ لِي ، وَاسْتَأْذَنْتُ فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا ، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي ، فَزُورُوا الْقُبُورَ ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ } . وَهُنَا مَسْأَلَتَانِ : إحْدَاهُمَا : مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ، وَالْأُخْرَى مُتَنَازَعٌ فِيهَا . فَأَمَّا الْأُولَى : فَإِنَّ الزِّيَارَةَ تَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ : زِيَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَزِيَارَةٍ بِدْعِيَّةٍ . فَالزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ : السَّلَامُ عَلَى الْمَيِّتِ ، وَالدُّعَاءُ لَهُ ، بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى جِنَازَتِهِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ إذَا زَارُوا الْقُبُورَ أَنْ يَقُولُوا : { السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ ، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ ، اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ } وَهَذَا الدُّعَاءُ يُرْوَى بَعْضُهُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ بِعِدَّةِ أَلْفَاظٍ . كَمَا رُوِيَتْ أَلْفَاظُ التَّشَهُّدِ وَغَيْرِهِ وَهَذِهِ الزِّيَارَةُ هِيَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهَا إذَا خَرَجَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ أَهْلِ الْبَقِيعِ . وَأَمَّا الزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ : فَمِنْ جِنْسِ زِيَارَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَأَهْلِ الْبِدَعِ ، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مَسَاجِدَ ، وَقَدْ اسْتَفَاضَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكُتُبِ الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ : { لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا } . قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 43 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا