تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِداً . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ } فَالزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ مِثْلُ قَصْدِ قَبْرِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ لِلصَّلَاةِ عِنْدَهُ أَوْ الدُّعَاءِ عِنْدَهُ ، أَوْ بِهِ ، أَوْ طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْهُ ، أَوْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ قَبْرِهِ ، أَوْ الِاسْتِغَاثَةِ بِهِ ، أَوْ الْأَقْسَامِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ هُوَ مِنْ الْبِدَعِ الَّتِي لَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَلَا سَنَّ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ ، بَلْ قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ الْكِبَارُ . وَالْحَدِيثُ الَّذِي يَرْوِيهِ بَعْضُ النَّاسِ { إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي } هُوَ مِنْ الْمَكْذُوبَاتِ الَّتِي لَمْ يَرْوِهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا هُوَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ بِمَنْزِلَةِ مَا يَرْوُونَهُ مِنْ قَوْلِهِ : { لَوْ أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ ظَنَّهُ بِحَجَرٍ لَنَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ } فَإِنَّ هَذَا أَيْضاً مِنْ الْمَكْذُوبَاتِ . وَقَدْ نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْسَمُ عَلَى اللَّهِ بِمَخْلُوقٍ لَا نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْقُدُورِيُّ فِي كِتَابِ شَرْحِ الْكَرْخِيِّ " عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ : سَمِعْت أَبَا يُوسُفَ قَالَ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ إلَّا بِهِ ، وَأَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ : بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ ، وَبِحَقِّ خَلْقِكَ . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِهِ : هُوَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَلَا أَكْرَهُ هَذَا . وَأَكْرَهُ بِحَقِّ فُلَانٍ ، وَبِحَقِّ أَنْبِيَائِكَ ، وَرُسُلِكَ ، وَبِحَقِّ الْبَيْتِ ، وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ . قَالَ الْقُدُورِيُّ شَارِحُ الْكِتَابِ : الْمَسْأَلَةُ بِخَلْقِهِ لَا تَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَالِقِ ، فَلَا يَجُوزُ يَعْنِي : وِفَاقاً . قُلْت : وَأَمَّا الِاسْتِشْفَاعُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ ، وَهُوَ طَلَبُ الشَّفَاعَةِ مِنْهُ ، وَالتَّوَسُّلُ إلَى اللَّهِ بِدُعَائِهِ وَشَفَاعَتِهِ ، وَبِالْإِيمَانِ بِهِ ، وَبِمَحَبَّتِهِ وَطَاعَتِهِ وَالتَّوَجُّهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ ، فَهَذَا مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 44 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا