فَالزِّيَارَةُ الْأُولَى مِنْ جِنْسِ عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَالْإِحْسَانِ إلَى خَلْقِ اللَّهِ ، وَذَلِكَ مِنْ جِنْسِ الزَّكَاةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا .
وَالثَّانِي : مِنْ جِنْسِ الْإِشْرَاكِ بِاَللَّهِ ، وَالظُّلْمِ فِي حَقِّ اللَّهِ ، وَحَقِّ عِبَادِهِ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } .
شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ : { إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } } وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَناً يُعْبَدُ } .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً } .
قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ : هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْماً صَالِحِينَ فِي قَوْمِ نُوحٍ .
فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ ، وَصَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ، وَهَذَا مِنْ جِنْسِ دِينِ النَّصَارَى وَلَمْ يَكُنْ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَالتَّابِعُونَ يَقْصِدُونَ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا غَيْرِهِ ، بَلْ كَرِهَ الْأَئِمَّةُ وُقُوفَ الْإِنْسَانِ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلدُّعَاءِ .
وَقَالُوا هَذِهِ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ ، بَلْ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى صَاحِبَيْهِ ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ .
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَتَاهُ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ .
وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، وَنَصَّ أَبُو يُوسُفَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ بِمَخْلُوقٍ ، لَا النَّبِيِّ ، وَلَا الْمَلَائِكَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ .
وَقَدْ أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ جَدْبٌ وَشِدَّةٌ ، وَكَانُوا يَدْعُونَ اللَّهَ ، وَيَسْتَسْقُونَ وَيَدْعُونَ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَيَسْتَنْصِرُونَ ، وَيَتَوَسَّلُونَ بِدُعَاءِ الصَّالِحِينَ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ : بِدُعَائِهِمْ ، وَصَلَاتِهِمْ ، وَإِخْلَاصِهِمْ } .
وَلَمْ يَكُونُوا يَقْصِدُونَ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا صَالِحٍ ، وَلَا الصَّلَاةَ عِنْدَهُ ، وَلَا طَلَبَ الْحَوَائِجِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 40
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٠