714 - 68 - مَسْأَلَةٌ : فِيمَا يَجِبُ عَلَى آكِلِ الْحَشِيشَةِ ؟ وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ أَكْلَهَا جَائِزٌ حَلَالٌ مُبَاحٌ ؟
الْجَوَابُ : أَكْلُ هَذِهِ الْحَشِيشَةِ الصُّلْبَةِ حَرَامٌ ، وَهِيَ مِنْ أَخْبَثِ الْخَبَائِثِ الْمُحَرَّمَةِ ، وَسَوَاءٌ أَكَلَ مِنْهَا قَلِيلاً أَوْ كَثِيراً ؛ لَكِنَّ الْكَثِيرَ الْمُسْكِرَ مِنْهَا حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ كَافِراً مُرْتَدّاً ؛ لَا يُغَسَّلُ ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ، وَلَا يُدْفَنُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ .
وَحُكْمُ الْمُرْتَدِّ شَرٌّ مِنْ حُكْمِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ، سَوَاءٌ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ يَحِلُّ لِلْعَامَّةِ أَوْ لِلْخَاصَّةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا لُقْمَةُ الْفِكْرِ وَالذِّكْرِ ، وَأَنَّهَا تُحَرِّكُ الْعَزْمَ السَّاكِنَ إلَى أَشْرَفِ الْأَمَاكِنِ ، وَأَنَّهُمْ لِذَلِكَ يَسْتَعْمِلُونَهَا .
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ ظَنَّ أَنَّ الْخَمْرَ تُبَاحُ لِلْخَاصَّةِ ، مُتَأَوِّلاً قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا } فَلَمَّا رُفِعَ أَمْرُهُمْ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَتَشَاوَرَ الصَّحَابَةُ فِيهِمْ اتَّفَقَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ إنْ أَقَرُّوا بِالتَّحْرِيمِ جُلِدُوا ، وَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى الِاسْتِحْلَالِ قُتِلُوا .
وَهَكَذَا حَشِيشَةُ الْعُشْبِ مَنْ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهَا وَتَنَاوَلَهَا فَإِنَّهُ يُجْلَدُ الْحَدَّ ثَمَانِينَ سَوْطاً ، أَوْ أَرْبَعِينَ .
هَذَا هُوَ الصَّوَابُ .
وَقَدْ تَوَقَّفَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي الْجَلْدِ ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا مُزِيلَةٌ لِلْعَقْلِ ، غَيْرُ مُسْكِرَةٍ ، كَالْبَنْجِ وَنَحْوِهِ ، مِمَّا يُغَطِّي الْعَقْلَ مِنْ غَيْرِ سُكْرٍ ، فَإِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ : إنْ كَانَ مُسْكِراً فَفِيهِ جَلْدُ الْخَمْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْكِراً فَفِيهِ التَّعْزِيرُ بِمَا دُونَ ذَلِكَ .
وَمَنْ اعْتَقَدَ حِلَّ ذَلِكَ كَفَرَ وَقُتِلَ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَشِيشَةَ مُسْكِرَةٌ كَالشَّرَابِ ؛ فَإِنَّ آكِلِيهَا يَنْتَشُونَ بِهَا ، وَيُكْثِرُونَ تَنَاوُلَهَا ، بِخِلَافِ الْبَنْجِ وَغَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُنْشِي ، وَلَا يُشْتَهَى .
وَقَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ أَنَّ مَا تَشْتَهِيهِ النُّفُوسُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ كَالْخَمْرِ وَالزِّنَا فَفِيهِ الْحَدُّ وَمَا لَا تَشْتَهِيهِ كَالْمَيْتَةِ فَفِيهِ التَّعْزِيرُ .
" وَالْحَشِيشَةُ " مِمَّا يَشْتَهِيهَا آكِلُوهَا ، وَيَمْتَنِعُونَ عَنْ تَرْكِهَا ؛ وَنُصُوصُ التَّحْرِيمِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى مَنْ يَتَنَاوَلُهَا كَمَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا ظَهَرَ فِي النَّاسِ أَكْلُهَا
الفتاوى الكبرى — صفحة 425
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٢٥