وَالْقَمْحِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَقَالَ : يُبَاحُ أَنْ يُتَنَاوَلَ مِنْهُ مَا لَمْ يُسْكِرْ - فَقَدْ أَخْطَأَ .
وَأَمَّا جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ فَعَرَفُوا أَنَّ الَّذِي أَبَاحَهُ هُوَ الَّذِي لَا يُسْكِرُ ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ فِي النَّصِّ ، وَالْقِيَاسِ .
وَأَمَّا " النَّصُّ " فَالْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ فِيهِ .
وَأَمَّا " الْقِيَاسُ " فَلِأَنَّ جَمِيعَ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ مُتَسَاوِيَةٌ فِي كَوْنِهَا تُسْكِرُ ، وَالْمَفْسَدَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي هَذَا مَوْجُودَةٌ فِي هَذَا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بَلْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا مِنْ الْعَدْلِ وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ .
فَتَبَيَّنَ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ حَرَامٌ ، وَالْحَشِيشَةُ الْمُسْكِرَةُ حَرَامٌ ، وَمَنْ اسْتَحَلَّ السُّكْرَ مِنْهَا فَقَدْ كَفَرَ ؛ بَلْ هِيَ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ نَجِسَةٌ كَالْخَمْرِ .
فَالْخَمْرُ كَالْبَوْلِ ، وَالْحَشِيشَةُ كَالْعَذِرَةِ .
713 - 67 - مَسْأَلَةٌ : فِيمَنْ يَأْكُلُ الْحَشِيشَةَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ ؟
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ .
هَذِهِ الْحَشِيشَةُ الصُّلْبَةُ حَرَامٌ ، سَوَاءٌ سَكِرَ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَسْكَرْ ؛ وَالسُّكْرُ مِنْهَا حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَمَنْ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّهُ حَلَالٌ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ ؛ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ مُرْتَدّاً ، لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ ؛ وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ .
وَأَمَّا إنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ قُرْبَةً ، وَقَالَ : هِيَ لُقَيْمَةُ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ ، وَتُحَرِّكُ الْعَزْمَ السَّاكِنَ إلَى أَشْرَفِ الْأَمَاكِنِ ، وَتَنْفَعُ فِي الطَّرِيقِ : فَهُوَ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ دِينِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَتَقَرَّبُونَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ ؛ وَمِنْ جِنْسِ مَنْ يَعْتَقِدُ الْفَوَاحِشَ قُرْبَةً وَطَاعَةً ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاَللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } وَمَنْ كَانَ يَسْتَحِلُّ ذَلِكَ جَاهِلاً وَقَدْ سُمِعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ : حَرَّمُوهَا مِنْ غَيْرِ عَقْلٍ وَنَقْلٍ وَحَرَامٌ تَحْرِيمُ غَيْرِ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ مَا يَعْرِفُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ ، وَالسُّكْرُ مِنْهَا حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ .
وَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ وَلَمْ يُقِرَّ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَافِراً مُرْتَدّاً ، كَمَا تَقَدَّمَ .
وَكُلُّ مَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ فَإِنَّهُ حَرَامٌ وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ بِهِ نَشْوَةٌ وَلَا طَرَبٌ ، فَإِنَّ تَغَيُّبَ الْعَقْلِ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 423
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٢٣