645 - 26 - مَسْأَلَةٌ : فِي قَوْله تَعَالَى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلَّا وُسْعَهَا } إلَى قَوْلِهِ : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .
مَعَ قَوْلِهِ : { وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } إلَى قَوْلِهِ : { سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً } .
فِي ذَلِكَ أَنْوَاعٌ مِنْ الْأَحْكَامِ بَعْضُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَبَعْضُهَا مُتَنَازَعٌ فِيهِ .
وَإِذَا تَدَبَّرْت كِتَابَ اللَّهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَفْصِلُ النِّزَاعَ بَيْنَ مَنْ يُحْسِنُ الرَّدَّ إلَيْهِ ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَهْتَدِ إلَى ذَلِكَ ؛ فَهُوَ إمَّا لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِ ، فَيُعْذَرُ .
أَوْ لِتَفْرِيطِهِ فَيُلَامُ .
وقَوْله تَعَالَى : { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا تَمَامُ الرَّضَاعَةِ ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غِذَاءٌ مِنْ الْأَغْذِيَةِ .
وَبِهَذَا يَسْتَدِلُّ مَنْ يَقُولُ : الرَّضَاعُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِمَنْزِلَةِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ .
وَقَوْلُهُ : { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ " الْحَوْلَيْنِ " يَقَعُ عَلَى حَوْلٍ وَبَعْضِ آخَرَ .
وَهَذَا مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِهِمْ ، يُقَالُ : لِفُلَانٍ عِشْرُونَ عَاماً إذَا أَكْمَلَ ذَلِكَ .
قَالَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُمَا : لَمَّا جَازَ أَنْ يَقُولَ : " حَوْلَيْنِ " وَيُرِيدُ أَقَلَّ مِنْهُمَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ } .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَتَعَجَّلُ فِي يَوْمٍ وَبَعْضِ آخَرَ ؛ وَتَقُولُ : لَمْ أَرَ فُلَاناً يَوْمَيْنِ .
وَإِنَّمَا تُرِيدُ يَوْماً وَبَعْضَ آخَرَ .
قَالَ : { كَامِلَيْنِ } لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَصَ مِنْهُمَا .
وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْله تَعَالَى : { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } ، فَإِنَّ لَفْظَ " الْعَشَرَةِ " يَقَعُ عَلَى تِسْعَةٍ وَبَعْضِ الْعَاشِرِ .
فَيُقَالُ : أَقَمْت عَشَرَةَ أَيَّامٍ .
وَإِنْ لَمْ يُكْمِلْهَا .
فَقَوْلُهُ هُنَاكَ { كَامِلَةٌ } بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ هُنَا { كَامِلَيْنِ } .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ : قَالَ { الْخَازِنُ الْأَمِينُ الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلاً مَوْفُوراً طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقِينَ } .
فَالْكَامِلُ الَّذِي لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ ؛ إذْ الْكَمَالُ ضِدُّ النُّقْصَانِ .
وَأَمَّا
الفتاوى الكبرى — صفحة 369
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٦٩