بِذَلِكَ ، وَكَانَ عَلَى الْأَبِ رِزْقُهَا وَكِسْوَتُهَا ، وَإِنْ أَرَادَ الْأَبُ الْإِتْمَامَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُبَحْ الْفِصَالُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا جَمِيعاً .
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } .
وَلَفْظَةُ { مَنْ } إمَّا أَنْ يُقَالَ : هُوَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ هَذَا وَهَذَا وَيَدْخُلُ فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، فَمَنْ أَرَادَ الْإِتْمَامَ أَرْضَعْنَ لَهُ .
وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ : قَوْله تَعَالَى : { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } إنَّمَا هُوَ الْمَوْلُودُ لَهُ وَهُوَ الْمُرْضَعُ لَهُ .
فَالْأُمُّ تَلِدُ لَهُ وَتَرْضِعُ لَهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ } .
وَالْأُمُّ كَالْأَجِيرِ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ .
فَإِنْ أَرَادَ الْأَبُ الْإِتْمَامَ أَرْضَعْنَ لَهُ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ لَا يُتِمَّ [ فَلَهُ ذَلِكَ ] وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَمَنْطُوقُ الْآيَةِ أَمْرُهُنَّ بِإِرْضَاعِهِ عِنْدَ إرَادَةِ الْأَبِ ، وَمَفْهُومُهَا أَيْضاً جَوَازُ الْفَصْلِ بِتَرَاضِيهِمَا .
يَبْقَى إذَا أَرَادَتْ الْأُمُّ دُونَ الْأَبِ مَسْكُوتاً عَنْهُ ؛ لَكِنْ مَفْهُومُ قَوْله تَعَالَى : { عَنْ تَرَاضٍ } أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ ؛ وَلَكِنْ تَنَاوَلَهُ قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } ، فَإِنَّهَا إذَا أَرْضَعَتْ تَمَامَ الْحَوْلِ فَلَهُ أَرْضَعَتْ ، وَكَفَتْهُ بِذَلِكَ مُؤْنَةَ الطِّفْلِ ، فَلَوْلَا رَضَاعَهَا لَاحْتَاجَ إلَى أَنْ يُطْعِمَهُ شَيْئاً آخَرَ .
فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَّنَ أَنَّ عَلَى الْأُمِّ الْإِتْمَامَ إذَا أَرَادَ الْأَبُ ، وَفِي تِلْكَ بَيَّنَ أَنَّ عَلَى الْأَبِ الْأَجْرَ إذَا أَبَتْ الْمَرْأَةُ قَالَ مُجَاهِدٌ : " التَّشَاوُرُ " فِيمَا دُونَ الْحَوْلَيْنِ : إنْ أَرَادَتْ أَنْ تَفْطِمَ وَأَبَى فَلَيْسَ لَهَا ، وَإِنْ أَرَادَ هُوَ وَلَمْ تُرِدْ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَقَعَ ذَلِكَ عَلَى تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ ، يَقُولُ : غَيْرُ مُسِيئِينَ إلَى أَنْفُسِهِمَا وَلَا رَضِيعِهِمَا .
وقَوْله تَعَالَى : { إذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ } .
قَالَ إذَا أَسْلَمْتُمْ أَيُّهَا الْآبَاءُ إلَى أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَجْرَ مَا أَرْضَعْنَ قَبْلَ امْتِنَاعِهِنَّ ؛ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ وَقِيلَ : إذَا أَسْلَمْتُمْ إلَى الظِّئْرِ أَجْرَهَا : بِالْمَعْرُوفِ ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُقَاتِلٍ .
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ : { أَتَيْتُمْ } بِالْقَصْرِ .
وقَوْله تَعَالَى : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وَلَمْ يَقُلْ : وَعَلَى الْوَالِدِ كَمَا قَالَ وَالْوَالِدَاتُ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ الَّتِي تَلِدُهُ ، وَأَمَّا الْأَبُ فَلَمْ يَلِدْهُ ؛ بَلْ هُوَ مَوْلُودٌ لَهُ لَكِنْ إذَا قُرِنَ بَيْنَهُمَا قِيلَ : { وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً } فَأَمَّا مَعَ الْإِفْرَادِ فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ تَسْمِيَتُهُ وَالِداً ، بَلْ أَباً .
وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْوَلَدَ وَلَدٌ لِلْأَبِ ؛ لَا لِلْأُمِّ ؛ وَلِهَذَا كَانَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 372
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٧٢