وَلِلْفُقَهَاءِ هُنَا قَوْلَانِ آخَرَانِ ضَعِيفَانِ : أَحَدُهُمَا : قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : إذَا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ كَانَ جَمِيعُ الشُّهُورِ بِالْعَدَدِ ، فَيَكُونُ الْحَوْلَانِ ثَلاَثَمائَةٍ وَسِتِّينَ .
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَزِيدُ الْمُدَّةُ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْماً ، وَهُوَ غَلَطٌ بَيِّنٌ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : قَوْلُ مَنْ يَقُولُ : مِنْهَا وَاحِدٌ بِالْعَدَدِ ، وَسَائِرُهَا بِالْأَهِلَّةِ .
وَهَذَا أَقْرَبُ ؛ لَكِنْ فِيهِ غَلَطٌ ؛ فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا إذَا كَانَ الْمَبْدَأُ عَاشِرَ الْمُحَرَّمِ وَقَدْ نَقَصَ الْمُحَرَّمُ كَانَ تَمَامُهُ تَاسِعَهُ ، فَيَكُونُ التَّكْمِيلُ أَحَدَ عَشَرَ ، فَيَكُونُ الْمُنْتَهَى حَادِيَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ ، وَهُوَ غَلَطٌ أَيْضاً .
وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَى الْأُمِّ إرْضَاعَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ : { يُرْضِعْنَ } خَبَرٌ فِي مَعْنَى الْأَمْرِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ نِزَاعٍ ؛ وَلِهَذَا تَأَوَّلَهَا مَنْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى : وَهَذَا الْأَمْرُ انْصَرَفَ إلَى الْآبَاءِ ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ الِاسْتِرْضَاعَ ؛ لَا عَلَى الْوَالِدَاتِ ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } وَقَوْلُهُ : { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } فَلَوْ كَانَ مُتَحَتِّماً عَلَى الْوَالِدَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ .
فَيُقَالُ : بَلْ الْقُرْآنُ دَلَّ عَلَى أَنَّ لِلِابْنِ عَلَى الْأُمِّ الْفِعْلَ ، وَعَلَى الْأَبِ النَّفَقَةَ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا تَعَيَّنَ عَلَيْهَا ، وَهِيَ تَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ ، وَالْأَجْنَبِيَّةُ تَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا .
وقَوْله تَعَالَى : { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ إتْمَامَ الرَّضَاعِ وَيَجُوزُ الْفِطَامُ قَبْلَ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَصْلَحَةٌ ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْصَلُ إلَّا بِرِضَى الْأَبَوَيْنِ ، فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا الْإِتْمَامَ وَالْآخَرُ الْفِصَالَ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ لِمَنْ أَرَادَ الْإِتْمَامَ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } .
وقَوْله تَعَالَى : { يُرْضِعْنَ } صِيغَةُ خَبَرٍ ، وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ ، وَالتَّقْدِيرُ وَالْوَالِدَةُ مَأْمُورَةٌ بِإِرْضَاعِهِ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ إذَا أُرِيدَ إتْمَامُ الرَّضَاعَةِ ؛ فَإِذَا أَرَادَتْ الْإِتْمَامَ كَانَتْ مَأْمُورَةً
الفتاوى الكبرى — صفحة 371
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٧١