عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ وَغَيْرَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ ، كُلُّهُمْ يَذُمُّ مَنْ تَكُونُ امْرَأَتُهُ بَغِيّاً ، وَيُشْتَمُ بِذَلِكَ ، وَيُعَيَّرُ بِهِ فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلَى شَرْعِ الْإِسْلَامِ إبَاحَةُ ذَلِكَ ، ؟ وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ، فَضْلاً عَنْ أَفْضَلِ الشَّرَائِعِ ؛ بَلْ يَجِبُ أَنْ تُنَزَّهَ الشَّرِيعَةُ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي إذَا تَصَوَّرَهُ الْمُؤْمِنُ وَلَوَازِمَهُ اسْتَعْظَمَ أَنْ يُضَافَ مِثْلُ هَذَا إلَى الشَّرِيعَةِ ، وَرَأَى أَنَّ تَنْزِيهَهَا عَنْهُ أَعْظَمُ مِنْ تَنْزِيهِ عَائِشَةَ عَمَّا قَالَهُ أَهْلُ الْإِفْكِ .
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا : { سُبْحَانَك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا لَمْ يُفَارِقْ عَائِشَةَ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ مَا قِيلَ أَوَّلاً ، وَلَمَّا حَصَلَ لَهُ الشَّكُّ اسْتَشَارَ عَلِيّاً ، وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، وَسَأَلَ الْجَارِيَةَ ؛ لِيَنْظُرَ إنْ كَانَ حَقّاً فَارَقَهَا ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَهَا مِنْ السَّمَاءِ ، فَذَلِكَ الَّذِي ثَبَتَ نِكَاحُهَا .
وَلَمْ يَقُلْ مُسْلِمٌ : إنَّهُ يَجُوزُ إمْسَاكُ بَغِيٍّ .
وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَقْصِدُونَ بِالْكَلَامِ فِيهَا الطَّعْنَ فِي الرَّسُولِ ، وَلَوْ جَازَ التَّزَوُّجُ بِبَغِيٍّ لَقَالَ : هَذَا لَا حَرَجَ عَلَيَّ فِيهِ ، كَمَا كَانَ النِّسَاءُ أَحْيَاناً يُؤْذِينَهُ حَتَّى يَهْجُرَهُنَّ ، فَلَيْسَ ذُنُوبُ الْمَرْأَةِ طَعْناً ؛ بِخِلَافِ بِغَائِهَا فَإِنَّهُ طَعَنَ فِيهِ عِنْدَ النَّاسِ قَاطِبَةً ، لَيْسَ أَحَدٌ يَدْفَعُ الذَّمَّ عَمَّنْ تَزَوَّجَ بِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهَا بَغِيَّةٌ مُقِيمَةٌ عَلَى الْبِغَاءِ ، وَلِهَذَا تَوَسَّلَ الْمُنَافِقُونَ إلَى الطَّعْنِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَهَا مِنْ السَّمَاءِ ، وَقَدْ كَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي ؟ ، وَاَللَّهِ مَا عَلِمْت عَلَى أَهْلِي إلَّا خَيْراً ، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً مَا عَلِمْت عَلَيْهِ إلَّا خَيْراً فَقَامَ : سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ - الَّذِي اهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ - فَقَالَ : أَنَّا أَعْذُرُك مِنْهُ : إنْ كَانَ مِنْ إخْوَانِنَا مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْت عُنُقَهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتنَا فَفَعَلْنَا فِيهِ أَمْرَك ، فَأَخَذَتْ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ غَيْرَةٌ - قَالَتْ عَائِشَةُ : وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ امْرَأً صَالِحاً ؛ وَلَكِنْ أَخَذَتْهُ حَمِيَّةٌ ؛ لِأَنَّ ابْنَ أُبَيٍّ كَانَ كَبِيرَ قَوْمِهِ - فَقَالَ كَذَبْت لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلْهُ ، وَلَا تَقْدِرْ عَلَى قَتْلِهِ .
فَقَامَ أُسَيْدَ بْنُ حُضَيْرٍ : فَقَالَ : كَذَبْت ، لَعَمْرُ اللَّهِ لَأَقْتُلَنَّهُ ؛ فَإِنَّك مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ .
وَثَارَ الْحَيَّانِ حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَجَعَلَ يُسَكِّنُهُمْ } .
فَلَوْلَا أَنَّ مَا قِيلَ فِي عَائِشَةَ طَعَنَ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَطْلُبْ الْمُؤْمِنُونَ قَتْلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ لِقَذْفِهِ لِامْرَأَتِهِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 182
مساهمون: ابن تيمية
ص١٨٢