الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } وَهُنَّ الْعَفَائِفُ ، قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ .
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ * وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
ثُمَّ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنَّ الْحُرَّةَ عِنْدَهُمْ لَا تُعْرَفُ بِالزِّنَا ؛ وَإِنَّمَا تُعْرَفُ بِالزِّنَا الْإِمَاءُ وَلِهَذَا { لَمَّا بَايَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِنْدَ امْرَأَةَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى أَنْ لَا تَزْنِيَ قَالَتْ : أَوَتَزْنِي الْحُرَّةُ ؟ } ، فَهَذَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفاً عِنْدَهُمْ .
وَالْحُرَّةُ خِلَافُ الْأَمَةِ صَارَتْ فِي عُرْفِ الْعَامَّةِ أَنَّ الْحُرَّةَ هِيَ الْعَفِيفَةُ ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ الَّتِي لَيْسَتْ أَمَةً كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ بِالْعِفَّةِ ، وَصَارَ لَفْظُ الْإِحْصَانِ يَتَنَاوَلُ الْحُرِّيَّةَ مَعَ الْعِفَّةِ ؛ لِأَنَّ الْإِمَاءَ لَمْ تَكُنْ عَفَائِفَ ، وَكَذَلِكَ الْإِسْلَامُ هُوَ يَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُتَزَوِّجَةُ زَوْجُهَا يُحْصِنُهَا ، لِأَنَّهَا تَسْتَكْفِي بِهِ ، وَلِأَنَّهُ يَغَارُ عَلَيْهَا .
فَصَارَ لَفْظُ " الْإِحْصَانِ " يَتَنَاوَلُ : الْإِسْلَامَ ، وَالْحُرِّيَّةَ ، وَالنِّكَاحَ .
وَأَصْلُهُ إنَّمَا هُوَ الْعِفَّةُ ؛ فَإِنَّ الْعَفِيفَةَ هِيَ الَّتِي أُحْصِنَ فَرْجُهَا مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهَا ، كَالْمُحْصَنِ الَّذِي يَمْتَنِعُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ ، وَإِذَا كَانَ اللَّهُ إنَّمَا أَبَاحَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ نِكَاحَ الْمُحْصَنَاتِ ، " وَالْبَغَايَا " لَسْنَ مُحْصَنَاتٍ : فَلَمْ يُبِحْ اللَّهُ نِكَاحَهُنَّ .
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ : { إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } وَالْمُسَافِحُ الزَّانِي الَّذِي يَسْفَحُ مَاءَهُ مَعَ هَذِهِ وَهَذِهِ وَكَذَلِكَ الْمُسَافِحَةُ وَالْمُتَّخِذَةُ الْخِدْنَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ صَدِيقَةٌ يَزْنِي بِهَا دُونَ غَيْرِهِ فَشَرْطٌ فِي الْحِلِّ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ غَيْرَ مُسَافِحٍ ، وَلَا مُتَّخِذَ خِدْنٍ .
فَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ بَغِيّاً وَتُسَافِحُ هَذَا وَهَذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجُهَا مُحْصِناً لَهَا عَنْ غَيْرِهِ ؛ إذْ لَوْ كَانَ مُحْصِناً لَهَا كَانَتْ مُحْصَنَةً ، وَإِذَا كَانَتْ مُسَافِحَةً لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً .
وَاَللَّهُ إنَّمَا أَبَاحَ النِّكَاحَ إذَا كَانَ الرِّجَالُ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ، وَإِذَا شُرِطَ فِيهِ أَنْ لَا يَزْنِيَ بِغَيْرِهَا - فَلَا يَسْفَحُ مَاءَهُ مَعَ غَيْرِهَا - كَانَ أَبْلَغَ ، وَأَبْلَغُ .
وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : " السِّفَاحُ " الزِّنَا .
قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ ( مُحْصِنِينَ ) أَيْ مُتَزَوِّجِينَ ( غَيْرَ مُسَافِحِينَ ) قَالَ : وَأَصْلُهُ مِنْ سَفَحْت الْقِرْبَةَ إذَا صَبَبْتهَا .
فَسَمَّى " الزِّنَا " سِفَاحاً ؛ لِأَنَّهُ يَصُبُّ النُّطْفَةَ ، وَتَصُبُّ الْمَرْأَةُ النُّطْفَةَ .
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : " السِّفَاحُ " صَبُّ الْمَاءِ بِلَا عَقْدٍ وَلَا نِكَاحٍ ، فَهِيَ الَّتِي تَسْفَحُ مَاءَهَا .
وَقَالَ الزَّجَّاجُ : ( مُحْصِنِينَ ) أَيْ عَاقِدِينَ التَّزَوُّجَ .