تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
وَثَانِيهَا " أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ اسْتِفْتَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّزَوُّجِ بِزَانِيَةٍ ، فَكَيْفَ يَكُونُ سَبَبُ النُّزُولِ خَارِجاً مِنْ اللَّفْظِ ، ؟ " الثَّالِثُ " إنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : الزَّانِي لَا يَطَأُ إلَّا زَانِيَةً ، أَوْ الزَّانِيَةُ لَا يَطَؤُهَا إلَّا زَانٍ ، كَقَوْلِهِ : الْآكِلُ لَا يَأْكُلُ إلَّا مَأْكُولاً ، وَالْمَأْكُولُ لَا يَأْكُلُهُ إلَّا آكِلٌ ، وَالزَّوْجُ لَا يَتَزَوَّجُ إلَّا بِزَوْجَةٍ ، وَالزَّوْجَةُ لَا يَتَزَوَّجُهَا إلَّا زَوْجٌ ؛ وَهَذَا كَلَامٌ يُنَزَّهُ عَنْهُ كَلَامُ اللَّهِ . " الرَّابِعُ " أَنَّ الزَّانِيَ قَدْ يَسْتَكْرِهُ امْرَأَةً فَيَطَؤُهَا فَيَكُونُ زَانِياً وَلَا تَكُونُ زَانِيَةً ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ قَدْ تَزْنِي بِنَائِمٍ وَمُكْرَهٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَلَا يَكُونُ زَانِياً . " الْخَامِسُ " أَنَّ تَحْرِيمَ الزِّنَا قَدْ عَلِمَهُ الْمُسْلِمُونَ بِآيَاتٍ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ، وَتَحْرِيمُهُ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُنَزَّلَ هَذِهِ الْآيَةُ بِتَحْرِيمِهِ . " السَّادِسُ " قَالَ : { لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } " فَلَوْ أُرِيدَ الْوَطْءُ لَمْ يَكُنْ حَاجَةٌ إلَى ذِكْرِ الْمُشْرِكِ فَإِنَّهُ زَانٍ ، وَكَذَلِكَ الْمُشْرِكَةُ إذَا زَنَى بِهَا رَجُلٌ فَهِيَ زَانِيَةٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّقْسِيمِ . " السَّابِعُ " أَنَّهُ قَدْ قَالَ قَبْلَ ذَلِكَ : { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } فَأَيُّ حَاجَةٍ إلَى أَنْ يَذْكُرَ تَحْرِيمَ الزِّنَا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ ، وَأَمَّا " النَّسْخُ " فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَطَائِفَةٌ : نَسَخَهَا قَوْلُهُ : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ } . وَلَمَّا عَلِمَ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ دَعْوَى النَّسْخِ بِهَذِهِ الْآيَةِ ضَعِيفٌ جِدّاً ، وَلَمْ يَجِدُوا مَا يَنْسَخُهَا ، فَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ قَالُوا : هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالْإِجْمَاعِ ، كَمَا زَعَمَ ذَلِكَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَغَيْرُهُ . أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَنْسَخُ النُّصُوصَ كَمَا يُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ وَغَيْرِهِ ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ مَضْمُونُهُ أَنَّ الْأَمَةَ يَجُوزُ لَهَا تَبْدِيلُ دِينِهَا بَعْدَ نَبِيِّهَا ، وَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمْ ، كَمَا تَقُولُ النَّصَارَى : أُبِيحَ لِعُلَمَائِهِمْ أَنْ يَنْسَخُوا مِنْ شَرِيعَةِ الْمَسِيحِ مَا يَرَوْنَهُ ؛ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَقْوَالِ الْمُسْلِمِينَ . وَمِمَّنْ يَظُنُّ الْإِجْمَاعَ مَنْ يَقُولُ : الْإِجْمَاعُ دَلَّ عَلَى نَصٍّ نَاسِخٍ لَمْ يَبْلُغْنَا ؛ وَلَا حَدِيثَ إجْمَاعٍ فِي خِلَافِ هَذِهِ الْآيَةِ . وَكُلُّ مَنْ عَارَضَ نَصّاً بِإِجْمَاعٍ وَادَّعَى نَسْخَهُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 179 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا