مِنْ غَيْرِ نَصٍّ يُعَارِضُ ذَلِكَ النَّصَّ فَإِنَّهُ مُخْطِئٌ فِي ذَلِكَ ، كَمَا قَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَبَيَّنَ أَنَّ النُّصُوصَ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ إلَّا بِنَصٍّ بَاقٍ مَحْفُوظٍ عِنْدَ الْأُمَّةِ .
وَعِلْمُهَا بِالنَّاسِخِ الَّذِي الْعَمَلُ بِهِ أَهَمُّ عِنْدَهَا مِنْ عِلْمِهَا بِالْمَنْسُوخِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ ، وَحِفْظُ اللَّهِ النُّصُوصَ النَّاسِخَةَ أَوْلَى مِنْ حِفْظِهِ الْمَنْسُوخَةَ .
وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ } فِي غَايَةِ الضَّعْفِ ؛ فَإِنَّ كَوْنَهَا زَانِيَةً وَصْفٌ عَارِضٌ لَهَا ، يُوجِبُ تَحْرِيماً عَارِضاً : مِثْلُ كَوْنِهَا مُحَرَّمَةً ، وَمُعْتَدَّةً ، وَمَنْكُوحَةً لِلْغَيْرِ ؛ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ إلَى غَايَةٍ ، وَلَوْ قَدَّرَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ لَكَانَتْ كَالْوَثَنِيَّةِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلصِّفَاتِ الَّتِي بِهَا تَحْرُمُ الْمَرْأَةُ مُطْلَقاً أَوْ مُؤَقَّتاً ؛ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِنْكَاحِ الْأَيَامَى مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ ؛ وَهُوَ أَمْرٌ بِإِنْكَاحِهِنَّ بِالشُّرُوطِ الَّتِي بَيَّنَهَا وَكَمَا أَنَّهَا لَا تُنْكَحُ فِي الْعِدَّةِ وَالْإِحْرَامِ لَا تُنْكَحُ حَتَّى تَتُوبَ .
وَقَدْ احْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ : { إنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ .
فَقَالَ طَلِّقْهَا .
فَقَالَ : إنِّي أُحِبُّهَا .
قَالَ : فَاسْتَمْتِعْ بِهَا } " .
الْحَدِيثَ .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ ، فَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ فِي مُعَارَضَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ صَرِيحاً ، فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُؤَوِّلُ " اللَّامِسَ " بِطَالِبِ الْمَالِ ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ .
لَكِنَّ لَفْظَ " اللَّامِسِ " قَدْ يُرَادُ بِهِ مَنْ مَسَّهَا بِيَدِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا فَإِنَّ مِنْ النِّسَاءِ مَنْ يَكُونُ فِيهَا تَبَرُّجٌ ، وَإِذَا نَظَرَ إلَيْهَا رَجُلٌ أَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا لَمْ تَنْفِر عَنْهُ ، وَلَا تُمَكِّنُهُ مِنْ وَطْئِهَا .
وَمِثْلُ هَذَا نِكَاحُهَا مَكْرُوهٌ ؛ وَلِهَذَا أَمَرَهُ بِفِرَاقِهَا ، وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يُحِبُّهَا ، فَإِنَّ هَذِهِ لَمْ تَزْنِ ، وَلَكِنَّهَا مُذْنِبَةٌ بِبَعْضِ الْمُقَدِّمَاتِ ، وَلِهَذَا قَالَ : لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ ؛ فَجَعَلَ اللَّمْسَ بِالْيَدِ فَقَطْ .
وَلَفْظُ " اللَّمْسِ ، وَالْمُلَامَسَةِ " إذَا عُنِيَ بِهِمَا الْجِمَاعُ لَا يُخَصُّ بِالْيَدِ ، بَلْ إذَا قُرِنَ بِالْيَدِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْك كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 180
مساهمون: ابن تيمية
ص١٨٠