وَأَيْضاً فَاَلَّتِي تَزْنِي بَعْدَ النِّكَاحِ لَيْسَتْ كَاَلَّتِي تَتَزَوَّجُ وَهِيَ زَانِيَةٌ ؛ فَإِنَّ دَوَامَ النِّكَاحِ أَقْوَى مِنْ ابْتِدَائِهِ .
وَالْإِحْرَامُ وَالْعِدَّةُ تَمْنَعُ الِابْتِدَاءَ دُونَ الدَّوَامِ فَلَوْ قَدَّرَ أَنَّهُ قَامَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى أَنَّ الزَّانِيَةَ بَعْدَ الْعَقْدِ لَا يَجِبُ فِرَاقُهَا ، لَكَانَ الزِّنَا كَالْعِدَّةِ تَمْنَعُ الِابْتِدَاءَ دُونَ الدَّوَامِ جَمْعاً بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ .
فَإِنْ قِيلَ : مَا مَعْنَى قَوْلِهِ : { لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } ؟ قِيلَ : الْمُتَزَوِّجُ بِهَا إنْ كَانَ مُسْلِماً فَهُوَ زَانٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِماً فَهُوَ كَافِرٌ .
فَإِنْ كَانَ مُؤْمِناً بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ تَحْرِيمِ هَذَا وَفِعْلِهِ فَهُوَ زَانٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِناً بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَهُوَ مُشْرِكٌ ، كَمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، كَانُوا يَتَزَوَّجُونَ الْبَغَايَا .
يَقُولُ : فَإِنْ تَزَوَّجْتُمْ بِهِنَّ كَمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ تَحْرِيمِ ذَلِكَ فَأَنْتُمْ مُشْرِكُونَ ، وَإِنْ اعْتَقَدْتُمْ التَّحْرِيمَ فَأَنْتُمْ زُنَاةٌ .
لِأَنَّ هَذِهِ تُمَكِّنُ مِنْ نَفْسِهَا غَيْرَ الزَّوْجِ مِنْ وَطْئِهَا ، فَيَبْقَى الزَّوْجُ يَطَؤُهَا كَمَا يَطَؤُهَا أُولَئِكَ ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ اشْتَرَكَ فِي وَطْئِهَا رَجُلَانِ فَهِيَ زَانِيَةٌ ، فَإِنَّ الْفُرُوجَ لَا تَحْتَمِلُ الِاشْتِرَاكَ ، بَلْ لَا تَكُونُ الزَّوْجَةُ إلَّا مُحْصَنَةً .
وَلِهَذَا لَمَّا كَانَ الْمُتَزَوِّجُ بِالزَّانِيَةِ زَانِياً كَانَ مَذْمُوماً عِنْدَ النَّاسِ ، وَهُوَ مَذْمُومٌ أَعْظَمُ مِمَّا يُذَمُّ الَّذِي يَزْنِي بِنِسَاءِ النَّاسِ ، وَلِهَذَا يَقُولُ فِي " الشَّتْمَةِ " : سَبَّهُ بِالزَّايِ وَالْقَافِ .
أَيْ قَالَ : يَا زَوْجَ الْقَحْبَةِ ، فَهَذَا أَعْظَمُ مَا يَتَشَاتَمُ بِهِ النَّاسُ ، لِمَا قَدْ اسْتَقَرَّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قُبْحِ ذَلِكَ ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُبَاحاً ؟ ، وَلِهَذَا كَانَ قَذْفُ الْمَرْأَةِ طَعْناً فِي زَوْجِهَا ، فَلَوْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ التَّزَوُّجُ بِبَغِيٍّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَعْناً فِي الزَّوْجِ ، وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ : مَا بَغَتْ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ .
فَاَللَّهُ تَعَالَى أَبَاحَ لِلْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَتَزَوَّجُوا كَافِرَةً ، وَلَمْ يُبَحْ تَزَوُّجُ الْبَغِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تُفْسِدُ مَقْصُودَ النِّكَاحِ ؛ بِخِلَافِ الْكَافِرَةِ ، وَلِهَذَا أَبَاحَ اللَّهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُلَاعِنَ مَكَانَ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ إذَا زَنَتْ امْرَأَتُهُ وَأُسْقِطَ عَنْهُ الْحَدُّ بِلِعَانِهِ ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ : { لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ دَيُّوثٌ } " .
وَاَلَّذِي يَتَزَوَّجُ بِبَغِيٍّ هُوَ دَيُّوثٌ ، وَهَذَا مِمَّا فَطَرَ اللَّهُ عَلَى ذَمِّهِ وَعَيْبِهِ بِذَلِكَ جَمِيعَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 181
مساهمون: ابن تيمية
ص١٨١